الثلاثاء، 3 فبراير 2015

جمال خاشقجي.. رجلّ الأقنعة ومهندس المشاكل الرابحة!

بروفايل


يستحيل أن يخرج من تحت دوائر الضوء والجدل حيثما حلّ وأينما كان. فلا وجود لكلمة "الظلّ" في قاموس حياة هذا الصحافي المحترف ذي البنية القوية والفارع الطول، المنطوي على أغزر تجربة عملية مرّ بها رئس تحرير في تاريخ الصحافة السعودية الحديث في قول واحد.

بعد نحو 10 ساعات فقط من إطلاق قناة "العرب" التي طال انتظارها، أصدرت السلطات البحرينية أوامرها بوقف بث برامج القناة الإخبارية الوليدة، لتصبح عنوانا لأحاديث الشارع العربي من المحيط الى الخليج. خرج المراقبون والعامة ليدلوا بدلوهم تجاه مهندس القناة ومديرها العام جمال خاشقجي ليضعوه وقناته الوليدة حيث يُحب دوما في قلب معادلة الضوء والظل!.

قليلون الذين أخذتهم الرأفة في وجه قناة لم تكمل يومها الأول في عالم الفضائيات العربية، وصنعوا لها مهدا ملائكيا يليق بطفلة بريئة، وبرروا لها صرخة الحياة الأولى حتى ولو كانت على لسان جمعية الوفاق البحرينية المعارضة. بينما انتظم المتربصون بها وبمديرها ـ صديقهم القديم ـ لنصب أعواد المشانق، وتقديمه بصورة مفزعة كرؤوس الشياطين!.

لم ولن يغفروا لجمال خاشقجي أن يطلّ عليهم من جديد عبر برزخ إعلامي مختلف هذه المرّة ، ليقود قناة تلفزيونية تخاطب مشاهديها بالصوت والصورة، لا بالحبر والورق كما تمرّس طوال حياته العمليّة. وطفقوا يرمون الحجارة والعصي في تحديه الجديد والجسور، الذي أعد عدته لها ـ خلف كواليس الصمت ـ منذ يوليو 2010 وحتى اليوم!.

عفوية جمال خاشقجي وجبلته النازعة إلى البياض ومحبة الناس، تفسر أحيانا على أنها ضرب من الحيلة والمكر والدهاء، والسبب الظاهر أن كل من عرف "أبا صلاح" يحتار في تصنيفه، وتوصيفه، والمربع الذي يقف عليه!.

في السعودية عادة، لا مكان لغير المنتمين. وتبعا لذلك يتوجب على كل شخصية اعتبارية أن تظهر أمام الجميع مناط ولاءها، وتحت أي عنوان واضح يمكن تصنيفها، ليتم التعامل معها وفقا على أدبيات هذا التصنيف ومثالب ذاك التوصيف، لتدفع الثمن دوما من المهدّ وحتى اللحدّ!.

منذ ثمانينات القرن الماضي وهو يُطارد ويوصم دائما بصفة غير مستساغة في "مكارثية" المجتمع المحلي؛ فكان أول من حمل وصف "الإخونجي" في جيل الصحافيين الشباب آنذاك، قبل أن تتوالى تهم التصنيفات الجاهزة التي يطلقها عليه خصومه حينا، وبعض "أعدقاء" المهنة في أحيان أخرى، غبطة به تارة، و غيرة منه في تارات أُخر.


للتذكير، كان جمال خاشقجي قد إجترح عبارة ملغومة، حين سطر بيده ظهيرة يوم 18 فبراير 2011م في ما عرف بيوم (جمعة النصر) تغريدة على صفحته في تويتر قال فيها «الله أكبر.. ما أعظم الإسلام حرا قويا، شاهدوا الشيخ القرضاوي من ميدان التحرير على القناة الأولى المصرية، حتى ندرك حجم التغيير الذي حصل»!.

لم يفرغ الناس من صلاتهم إلا وقد طيّر النافخون في الرماد رسائل نصية، ورفعوا عشرات التغاريد في صحائف "تويتر"، ومثلها في صفحات "الفيس بوك"، ونشروها عبر الأفاق تبشر بعودة "الشيخ جمال إلى صباه!" وأنهم، أخيرا، باتوا يملكون الدليل الثابت والخيط والمخيط، تأكيدا على عودته القطعية إلى أحضان التنظيم العالمي للإخوان "المسلمون".

يقول جمال: "المؤكد أن هذه الرسائل تكشف نوايا خبيئة في دواخل من كتبها لا طيف المعاني التي أوحت بها تغريدتي البريئة". وفسر مقصده؛ بأنها تغريدة تقول وبكل إنصاف "إن ما شاهده العالم في ذلك اليوم غريبا، بل هو المستحيل بعينه. الشيخ الإخواني الشهير يوسف القرضاوي يعود، بعد حظر طويل، إلى مصر حسني مبارك والحزب الوطني، ليتولى إمامة مليوني مسلم من شباب وشابات ثورة 25 يناير ويخطب بهم خطبتي الجمعة في ميدان التحرير بالقاهرة، ثم يظهر كل ذلك على الهواء مباشرة عبر شاشة تلفزيون القناة المصرية الأولى!".
أضاف: إذا لم يكن هذا أمرا غريبا فما هو تعريف معنى الغرابة إذا؟!.

بعد أيام انبرى له رئيس تحرير صحيفة الشرق الأوسط ليشهر في وجه صداقتهما القديمة كرتاً احمر، ليكتب فيه مقالا ناريا في صفحة الرأي الدولية، وأمطره بوابل قوامه 350 كلمة كلها من العيار الثقيل، ردا على تغريدته التي لم يتجاوز عدد كلماتها 23 كلمة فقط!. 
كان مقالا ثأريا بامتياز، وصف فيه الكاتب صديقه القديم بالمخادع، المتحول، والمزايد. وزاد أن تغريدته محض "حديث مقاه" من رئيس تحرير لمرتين، وقيّم عمل زميله في الصحافة بأنه تخصص خلالها وتحت رداء سياسة دعم الإصلاح بـ ” التهجم على المؤسسة الدينية في السعودية، وتصيد رجال الدين الواحد تلو الآخر".

باختصار، جمال خاشقجي عند جناح الأصوليين هو رجل علماني بنمرة واستمارة، وهو عند رهط الليبراليين حصان طروادة الذي يخفي أجندة حركات الإسلام السياسي اينما حلّ وحيثما ذهب. لكن المفارقة أن جناح الأصوليين ورهط الليبراليين يتفقان معا على توصيفه بأنه (جاسوس قديم) ورجل مخابرات برتبة نقيب!.

والأخيرة ألصقت به، بعدما عرف وأشتهر لاحقا عن علاقة متميزة تربطه برئيس الاستخبارات السعودية السابق الأمير تركي الفيصل، الذي ظل على الدوام مؤمنا بجمال وقدراته، وكان يرعاه دوما كلما كشرت الصحافة أنيابها عليه. وما زاد من تعميق هذه الصفة عندما أختاره الأمير كمستشار إعلامي خلال تسلمه حقيبة سفارة خادم الحرمين في واشنطن، وقبلها في العاصمة البريطانية لندن.

ربما يمكن القول هنا، أن أكبر شهادة تنزيّه للصحافي هو أن يُشعر قرائه دوما عندما يكتب لهم عن قضية ما أو جماعة ما، الخبر أو القصة أو المقالة وكأنه منتميا إلى جسم ومرجعية من كتب عنهم. كان جمال خاشقجي يفعل ذلك للدلالة على سعة ثقافته، وغزارة معلوماته، ووفرة مصادره في هذه المنظومة أو تلك، بصرف النظر عن مشاجب الأقنعة والتوصيفات التي تنتظره.

لم يكن طريقه في بلاط صاحبة الجلالة مفروشا بالورود والبساط الأحمر، تماما كما وضح على أول خطوة في طريقه (حتى الآن) في سماء القنوات الفضائيّة بعد وقف بث "العرب" في ليلتها الأولى. فالرجل موعود بكؤوس الخيبة المرّة، ودوما ما تصبّ له في أغلى لحظات الفرح والحبور!.

تجربته مع الحبر والورق كانت مثيرة وشائكة على الدوام، لكنه كان يمضي بثقة من بين كل الحجارة والعصي التي تعرضت لها عجلة طموحه لتعطيل سرعة وصوله إلى مناصب أعلى مستحقة. كان دائما ما يحدد أهدافه بدقة، ولا يخطو خطوة إلا وهو على يقين تام أنه يقف فوق أرض صلبه. صحيح أنه كان يبدو على الدوام كرجل "مجدّ دؤوب ذو هدف"، لكنه وللإنصاف، لم يجلس على كرسي في بلاط صاحبة الجلالة إلا وكان هو أكبر منه بلا جدال.


تولى جمال خاشقجي ( 57 عام) منصب رئاسة التحرير 3 مرات. الأولى بالنيابة قرابة العام (صحيفة المدينة العام 1412هـ ـ 1992)، والثانية خلفا للدكتور فهد العرابي الحارثي كرئيس لتحرير صحيفة "الوطن" في مطلع العام 2003م ولم يستمر أكثر من 52 يوما فقط قبل أن يبعد نتيجة حزمة مقالات جريئة ومواضيع ساخنة، وكاريكاتيرات لاسعة، أهمها مقال شهير للكاتب خالد الغنامي مسّ فيه طوطم السلفيين وشيخهم "ابن تيمية"، ليعود في المرة الثالثة والأخيرة إلى كرسي الوطن الساخن في بداية الربع الثاني من عام 2007م قبل أن يقدم استقالته رسميا في مايو 2010م إثر ضربة خطافية (ملتبسة) وجهت له من تحت حزام صفحة الرأي في الجريدة التي يرأس تحريرها!.

يومها؛ قام رئيس قسم الرأي الجديد في مقر الصحيفة بجدة الذي استقطبه من صحيفة عكاظ قبل أسابيع "لغاية في نفس جمال" لينشر في قلب صفحات الراي مقالا جريئا ومتعدد القراءات للكاتب إبراهيم طالع الألمعي أثناء غياب رئيس التحرير في مهمة خارجية للمشاركة كعضو لجنة التحكيم في حفل توزيع جائزة دبي للصحافة العربية 2009 في الأمارات العربية المتحدة.

حينها فسر القراء المقال المثير بعنوانه العريض والصارخ (سلفي في مقام سيدي عبدالرحمن) بأن كاتبه بالغ عند المقارنة، في تمجيد طرق التصوّف وأتباعها على حساب جهود "المديٌنة" ومرجعية رجالات الأصولية السلفية في الدولة السعودية. وخاض الجميع في تفاصيل قصة طويلة محفوفة بالأسرار والقراءات المختلفة إلى الآن.

كان أكثر المتخوفين من تبعات نشر المقال ومن ثم الاستقالة، هم العاملين في بلاط صاحبة الجلالة الذي قرأوا في خروج جمال بهذه الصورة زلزالا "هز عرش الصحافة المحلية". وأنه قرار لا ينسجم مع معطيات عصر الإعلام الجديد، وإيذانا بدخول الصحافة الورقية في نفق مظلم، خصوصا أمام منافسة غير متكافئة مع الصحف الإليكترونية، التي تقتات عليها ولا تزال.

كثيرون لخصوا القصة بابتسار مُخلّ، وأن جمال خاشقجي راح ضحية (نيران صديقة)، وأن الطريق إلى استقالته كان مدبرا وممهدا ومستغلا ببشاعة لنواياه الطيبة التي عرف بها مع الجميع طوال مسيرته الصحافية. على كل حال، لم يكن أبا صلاح بريئا في بعض قراراته وتعييناته الإدارية، وحصد ما زرع.

كان يعتقد، وهو ما ثبت خطأه مرارا، أنه لا مناص من التعامل مع الواقع ببرغماتية في لعبة شطرنج رئاسة التحرير. وأنه كي ينجو ومن معه، لابد من الرضوخ لخيارات بطعم التنازل، علّها أن تكون سلالم قصيرة ربما توصله يوما ما إلى قلوب (من يحبهم دوما، ولم يحبوه قطّ!). وأصرّ في كل مرّة على الدخول في لعبة البيضة والحجر، وكان يتجاهل عن عمد وسابق إصرار أنه سيكون أكبر الخاسرين في هذا اللعبة غير المتكافئة.

والحق لم يعرف لجمال أعداء كثر في أوساطه الإعلامية، وكان المقربون منه دوما يتفيؤون ظلال نبله وإنسانيته وحسن خلقه، فضلا على التعلم من خبراته وتجربته الصحافية الغزيرة. في المقابل كان أعدائه المعروفين من الشجاعة بمكان، ويحسب لهم أنهم واضحون وبلا أقنعة، ومعروفون دوما بالإسم والصفة ومحل الإقامة!.

بعد نشر مقال الألمعي، وفي اليوم التالي مباشرة عاد جمال سريعا من دبي إلى جدة ليحاول ترميم ما يمكن ترميمه من تبعات النشر. كان واثقا أن الشق أكبر من الرقعة هذه المرة أيضا، لكنه كان يأمل أن تتأخر لحظة إخراجه من حظيرة رؤساء تحرير الصحف السعودية 24 ساعة فقط. كان يومها مشغولا بتهيئة نفسه لحفل زواجه الثالث على الدكتورة آلاء محمود نصيف سليلة البيت السلفي في الحجاز، وابنة الداعية الحنبلية الشهيرة فاطمة نصيف.

بعد أدائه صلاة الظهر رنّ هاتف مكتبه الفسيح في مقر الصحيفة بالطابق الثالث لمركز المحمدية بلازا في جدة. كان على الطرف الآخر مسئولا كبيرا قال له باختصار " قدم استقالتك فورا، ولننتظر بعدها ماذا سيحدث". بالكاد وضع جمال سماعة الهاتف، ورفع بيد مرتعشة كوب قهوته المفضلة لفمه، كان السائل الأسود ينساب على أعطاف ثوبه الأبيض من دون شعوره. وكان لسان رماد سيجاره الكوبي يدفن آخر خيوط دخانه الأبيض في منفضة فضيّة اللون. مسح بمناديل مبللة حرارة وحبيبات القهوة التركية من كم ثوبه وعبه، قبل أن يُمسك بلوح الكيبورد ليباشر كتابة حروف الاستقالة المطلوبة، قبل أن يتولى سكرتاريته طبعها وإرسالها إلى رقم الفاكس المنتظر.

خرج جمال إلى غرفة الأخبار ودلف سريعا إلى مكتب رئيس قسم الرأي الجديد الذي هبّ واقفا لاستقباله بخجل مصطنع. قال له بأدب جم: "ماذا فعلت بنا يا فلان!". أجابه " كانت زوجتي مريضة في المشفى، وقرأت ليلتها المقالة على عجل، وأعجبني سبك لغتها وبنائها اللغوي الأخاذ". قبل أن يضيف: "اعتذر يا أستاذ جمال عن أي ضرر ألحقته بك أو بالصحيفة، وأعرض الآن استقالتي الفورية إذا كان في ذلك حلا للمشكلة". قال له قبل أن يغلق باب المكتب الزجاجي " سبق السيف العذل، قدمها لرئيس التحرير الجديد"، ثم مضى ليلحق موعدا مسبقا في صالون للحلاقة الرجالية وتجهيز العرسان!.

في المساء، أنتشر خبر قبول استقالة جمال خاشقجي ليتفرغ لأعماله الخاصة، كان أول من بث الخبر الصاعق جوال صحيفته "الوطن" في قناة الأخبار العاجلة، لتنقل كل الوسائل الإعلامية عنه النبأ اليقين!. بعد ساعات تحولت ساحة بيت نصيف التاريخي في وسط البلدة القديمة إلى محجة للمحبين والأقارب وزملاء الحرف والمهنة. كان الجميع حريصا على حضور حفل زفاف زميلهم أبا صلاح، واحتارت الألسن، واضطربت المشاعر فيما إذا كان من اللائق المبادرة بالتهنئة بالزفاف، أم تعزيته في فقده وظيفته ولقمة عيشه.

كانت عناقيد الأضواء تجلل المكان، وانتشرت سيارات الغولف الكهربائية بين الأزقة والطرقات المفروشة بالسجاد الأحمر لتحمل المزيد والمزيد من المحبين والمهنئين وعائلاتهم لمقر العرس الكبير، وسط زغاريد مكتومة تنساب بصوت خفيض من خلف رواشين الحرّملك. وواجهت المزينة ومساعداتها أصعب تجربة مررن بها في حياتهن المهنية. كانت العروس تُغرق كل مساحيق التجميل والكحل من فرط بكائها وحزنها على ما وقع لعريسها في ليلة عمرها. كانت تخشى كعروس غائلة الألسن وما تخفي الصدور، والربط ما بين ليلة اقترانها البهيج؛ بيوم تسريح زوجها من بلاط صاحبة الجلالة. كان شعورا صعبا واجهه العروسان معا كلا بطريقته، وحزنه الخاص.

في المقابل، حاول الأخوة والأصدقاء وزملاء المهنة أن يخرجوا العريس من بئر حزنه الباطن. كانت شهادة جميع من حضر حفل الزفاف بأن جمال بدا متماسكا الى حدّ ما، وان البريق اللامع في عينيه فسر على قولين؛ منهم من قال إنها دموع فرح حبيس. ومنهم من صرح بأسى ظاهر، أنه بقايا سائل ترح وحزن فاض من القلب ليغرق بياض العين حزنا على نهاية حلمه الصحافي.

وأكد أصحاب القول الراجح؛ أن مشلح العريس المقصب بخيوط الذهب لم يسقط عن متنه غير مرة أو مرتين، وأنه شارك الحضور برقصة العرضة السعودية واستعرض بالسيف تارة وبالغمد تارة، كما أنه لم يجفل في محاورة أنداده بالعصي الخشبية المزركشة، والدوران حول النار في رقصة المزمار الحجازية. كانت ليلة أسطورية بكل ما تحمله الكلمة، كما وصفها الجميع.


خلال الـ 72 ساعة التالية خرجت التحليلات وظهر المفسرون بروايات متباينة، بعد أن شاع نبأ اهتمام الامير الوليد بن طلال بخدمات جمال خاشقجي وضمه الى مجموعته الإعلامية، وهو ما تأكد لاحقا. منهم من قال أن الخاشقجي لابد وأنه كان في حياة سابقة، مهندسا معماريا بامتياز، فالرجل يجيد حتى معادلات تحسين المساقط، وأنه كان يعرف جيدا طرق رسم السقوط إلى أعلى!.

فيما أقسم آخرون أنه تعرض لركلة لاعب حرّيف، أخرجته من مربعه القديم، إلى مربع كبير تم إعداده له بعناية منذ زمن، إلى حين تأتي فرصة مناسبة. أما وقد حانت الفرصة فإن المربع جاهز للحبيب المنتظر. وهناك من بين أصحاب الرأي التقليدي من ردد "يالثارات لحوم العلماء المسمومة"، وأن "العين بالعين، والسن بالسن، والبادئ أظلم!"، قبل أن يخلصوا إلى تأكيد أن المؤسسة الدينية نجحت في إبعاد أحد أكبر مناوريها في تاريخ الصحافة الورقية".

لم تنته القصة بخروج جمال خاشقجي من باب سدّة الرئاسة في أشهر الصحف الورقيّة، ليعود مجددا من نافذة قناة العرب الفضائية. فلم يبرح قلمه يسطر مقالاته خلال سنوات الانتظار بنفس الطعم والنكهة المعروفة عنه في صحيفة الحياة السعودية، بل وأخرج كتابا يتفق وتخصصه الجامعي ( (Business adminstration بعنوان "احتلال السوق السعودي" قدم فيه رؤى جريئة وحادة لإنقاذ الشباب من براثن البطالة، وتحفيزهم لاستعادة لقمة عيشهم من الوافدين الأجانب الذين سيطروا على مفاصل سوق التجزئة في الاقتصاد السعودي.

لا يُعرف الكثير عن تجربته التلفزيونية الجديدة، وأسرار استعداداته لها. وحتى لو تجاوز أزمة عسر الولادة البارحة، فالمؤكد أن في انتظاره رحلة كسر عظم بدأت ولن تنتهي في المدى المنظور. فقناته الإخبارية الجديدة، كما يقول جمال إنها "تحاول أن تأخذ مكانا بين يمين قناة الجزيرة، ويسار قناة العربية"، وهو خيار من الصعب تصور نجاحه سريعا، دونما إعداد خطة برامج مبتكرة، تراعي الواقع الجديد، وتحترم التنازلات المنتظرة، وفوق ذلك ترغم المشاهد على تحريك "الريموت كونترول" لاختيار مشاهدة قناة العرب الخضراء!.

القريبون منه، يعرفون عن جمال خاشقجي بأنه كان "أغرب ربّ عمل يمكن أن تعمل معه. ويتصرف أحيانا عند تشكيل فريقه الصحافي وكأنه حاطب ليل". اسلوبه في الإدارة يقوم على قناعات ومعادلات حسابية لا يمكن لغيره فهم مآلاتها ونتائجها المنتظرة. وعندما يشعل سيجاره الكوبي ويطلق عنان أفكاره لتغرق في سحابة الدخان الكثيف يبدو كإداري محنك، يعرف تماما ماذا يريد وكيف يفعل ذلك بنجاح أكيد. لكنه عندما يفكر بعاطفة وبرغماتية، يصبح سيّد القرارات الخاطئة ولا جدال.

اللافت في أسلوبه، وبشكل واضح، أنه يجيد صناعة مشاكله بيديه في شكل هادئ ومدروس. ثم لا يلبث أن يحول مشاكله التي أتقن صناعتها إلى أوراق تفاوض يطرحها لاحقا على طاولة رؤسائه، ليشعرهم أنه على أتم الاستعداد للتخلص منها مقابل حصوله على مكتسبات جديدة تعزز أسلوبه الإداري الخاص. كان جمال خاشقجي على الدوام يصنع مشاكله بيده، ولا يسمح لأحد أن يفعل ذلك معه. والشواهد كثيرة!.

كصحافي، ليس هناك من يفري فريه رؤية وأسلوبا وطريقة تنفيذ لأصول المهنة في شكل محترف. وهو يجيد كل أشكال العمل والكتابة الصحافية؛ خبرا وتقريرا وحوارا وكتابة مقال، وباللغة الإنجليزية أيضا. كما أنه لمن خالطه يعرف هوسه الكبير بمتابعة كل جديد في تقنية وتكنولوجيا الأجهزة الحديثة وبرامجها وتطبيقاتها. الى جانب أنه قارئ نهم وواسع الإطلاع والعلاقات، ويصل إلى معلومات وأخبار قلّ أن يصل إليها صحافي عربي فضلا عن نظيره السعودي من داخل الدوائر السياسية أو الاقتصادية في الأنظمة العربية والإسلامية؛ وبالتأكيد في بلده السعودية أولاً.

خلال زيارة الملك عبدالله بن عبد العزيز (رحمه الله) إلى لندن في صيف العام 2008 قدمه الملك الراحل في حفل الاستقبال بقصر بكنغهام إلى ملكة بريطانيا بجمال خاشقجي أهم صحافي سعودي. وبقدر فخره بهذا الوسام الملكي أزعجه ردّ الملكة إليزابيث الثانية بقولها ( أنذر جورنا ليست!).

بعد تولى الملك عبدالله مقاليد الحكم في البلاط الملكي السعودي العام 2005، كان جمال خاشقجي يحصد ثمرة تبنيه للمواقف الإصلاحية التي أتخذها الملك إبان ولايته لعهد الملك الراحل فهد بن عبد العزيز. كان معجبا بالقرارات التي كان يتخذها الملك غير المتوج، وكان بحق الترجمان الإعلامي الأكثر إيمانا والتزاما بشرح الخطوات الإصلاحية ونقل رسالة الملك الصالح (رحمه الله) ليس في الداخل وحسب بل وللعالم أجمع.
    
جوهرة تميزه انه كان المراسل الحربي والصحافي المتجول الأكثر كفاءة وعطاء وتجربة في الصحافة السعودية. وتبلورت شهرته خلال تغطيته حرب أفغانستان والجهاد الإسلامي فيها. لم تكن أول حرب قام بتغطيتها كمراسل ميداني نشط. سبقتها حرب الجماعات السلفية في شرق الجزائر، ولم تكن الأخيرة أيضا، فقد تابع نشاط المجاهدين في السودان والهند وباكستان وبعدها في الشيشان والبوسنة، ومن ثم حرب تحرير الكويت.

ولولا تقلده مناصب قيادية في الصحف المحلية والدولية، والآن كمدير لمحطة العرب الفضائية لكان من الطبيعي مشاهدته بجينز أزرق وجاكيت كاكي اللون، وهو يجري بحذاء رياضي أبيض اللون في ساحات النقاط الساخنة محليا وعربيا وإسلاميا ودوليا أيضا، بحثا عن قصص صحافية كبرى ومثيرة. فالرجل لا يجد نفسه إلا في مثل هذه المناخات التي تظهر الصورة الحقيقية لهذا الصحافي المعتق، والمهووس دوما بالمعلومات، وقراءة ما بين السطور، للخروج بتقارير غنية ومشبعة لنهم القراء المتعطشون لما يكتب.

جمال خاشقجي في أفغانستان، صحافي أم مجاهد؟!


في حوار صحافي نشر في جريدة الشرق الأوسط العام 2006، تحت عنوان (جمال خاشقجي من يسار حكمتيار إلى يمين تركي الفيصل) سأله محاوره يومها سؤالا مستفزا وخارجا عن النصّ (لم تنشر إجابته)، وهو يعرض عليه صورة شهيرة له في أرض معارك بيشاور مرتديا الزي الأفغاني ويحمل بندقية كلاشينكوف روسية الصنع: " جميعنا يعرف أنك غمست قلمك في حرب الأفغان. فهل غبّرت قدماك بالجهاد معهم وحملت السلاح حينها ضدّ الروس؟!". فأجاب بحزم " لا والله، ربما هممت، لكنني لم أفعل قطّ". أضاف " كنت صحافيا 100% ولا أزال ملتزما بأصول المهنة ومعاييرها".

في تحقيق صحافي لمجلة "المجلة" عن من يقف وراء غياب الصحافي المتخصص في الصحافة السعودية (لم ينشر أيضا) أنجز بعد تحرير الكويت العام 1992م أجاب الخاشقجي وكان يومها نائبا لرئيس تحرير صحيفة (عرب نيوز) الصادرة عن المجموعة السعودية للأبحاث والتسويق على سؤال موضوع التحقيق: لماذا لم تكرس تجربتك كمراسل حربي بعد أن توليت منصب رئيس تحرير أكثر من صحيفة محلية؟. أجاب بقوله "لم أجد الشغف في الصحافيين الجدد، وفي المقابل لم تكن الصحف جاهزة لإنفاق الأموال اللازمة لهيئة التحرير وتدريبهم لهذه المهمة، وتغطية مثل هذه التقارير المكلفة ماديا".

يعترف جمال خاشقجي لاحقا بأن جهاد الخازن رئيس تحرير صحيفة الحياة آنذاك "كان يمنحني الصلاحية والدعم السخي لأن أتجه إلى أي منطقة ساخنة أختارها في العالم الإسلامي، لأبعث إليه التقارير والصور والخاصة بصحيفتي الورقية".


في أواخر السبعينيات أنخرط الطالب جمال أحمد خاشقجي في عمل جانبي بمركز المعلومات في صحيفة عكاظ السعودية. لاحظ مدير عام المؤسسة حينها السيد إياد مدني (الذي تسلم لاحقا حقيبة وزارتي الحج والثقافة والإعلام) أن هذا الشاب يعد تقارير المعلومات المطلوبة منه بشكل ملفت. قال له "يا بني جرب أن تخوض يوما العمل الصحافي". وكانت تلك الكلمة؛ الشرارة التي أطلقت الحلم!.

السبت، 27 ديسمبر 2014

وصف لمحيط مبنى المولد النبوي يناير 2014م ـ من قصة مسار الفتح


 
مبنى مكتبة مكة المكرمة (باللون الأصفر) وفي إحدى غرفه موقع مولد النبي صلى الله عليه وسلم

في قمة جبل خندمة كانت البلدوزرات تأكل في نهم واضح جسم صخوره. كان أنين الجبل وتوجعه حسيا لا تفهمه قوارض الحفارات ولا عمال الإزالة الذين يتناوبون عليها ليلا ونهارا لإنهاء مهمتهم العاجلة.

كان المشهد مهولا بمعنى الكلمة. ويعجز الناظر عن وصف نشاط وحركة الحفر والهدم الذي أزال والى الأبد الجزء الذي كانت فيه أول معالم ومرابع طفولة وصبا وحياة النبي محمد في مكة لأكثر من 53 عاما قبل هجرته صلى الله عليه وسلم الى المدينة المنورة.

صورة بانورامية لشعب بني هاشم في مكة 
لم يعد هناك شعاب بني هاشم حيث كانت بيوت النبي وآله وأصحابه السابقين في الإسلام. ولم يستطع خندمة بكل صلادة حجارته الجرانيتية الصمود أمام حفارات جائعة تقرض بأسنانها الفولاذية ذاكرة وذكرى المكان الذي تعطرّ بسيرة ومسار مكة النبوية.

تحول شعب بني هاشم الى فجوة صخرية عميقة ليربض في جوفه كسارة ومصنع لتجهيز وجبات الإسمنت الخرساني بحصوات جبل بدا أمام الجميع مستسلما لقدره المحتوم.

كانت عين الشمس تبدو غاضبة في كبد السماء، وبدا كل شيء بلا ظل حتى نادى مؤذن البيت العتيق الى صلاة الظهر. توقفت سحب عوادم الحفارات وتلاشى سواد فعلها وسط رياح خفيفة. وأنتظم بعض العمال والمشرفين في صفوف متناثرة للصلاة صوب الكعبة المشرفة تحت ظلال بلدوزراتهم!.

كان صدر الأفق يضيق بألسنة حديدية متشابكة للروافع والونشات تعمل ليل نهار في إعلاء أبراج وناطحات لتوفير مطلّ شاهق على الكعبة المشرفة. وبدا واضحا في بطن وادي إبراهيم تفاصيل توسعة الحرم المكي الجديدة وهي تتمدد في اتجاه فضاء تم تهيئته في جسم خندمة شمال شرق وادي إبراهيم الخليل.

لا تزال بضع بيوتات قديمة وآيلة للسقوط مأهولة للآن بعمالة باكستانية، وهي وطرقاتها غارقة بأكوام من المخلفات والعيون المتسائلة عن سبب وجود وجوه غريبة عن المكان!.

كانت عين الساعة في برجها العالي تراقب كل حركة وسكنة تجري تحتها في بطاح مكة. وبدا أن لا الأفق ولا صدور الناس اعتادت بعد ابتلاع وجودها الطاغي على كل شيء حولها.

في سفح كتف خندمة الغربي، كان يبدو مبنى من طابقين وحيدا خاليا من كل جوار إلا جوار الصفا والمروة على مسافة لا تزيد عن 455 مترا أمام الميلين الأخضرين في المسعى. هذا المبنى الذي بني بأمر من الملك المؤسس عبدالعزيز آل سعود رحمه الله يضم مكتبة مكة المكرمة، وفي إحدى غرفه يقع مكان ولادة السيدة آمنة بنت وهب بيتيم مكة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.

حفارات وبلدوزرات تلتهم شعاب جبل خندمة في مكة

كان غبار الحفر وأتربة قصّ وإزالة صخور الجبل تعفّر وجه وحوائط المبنى التاريخي، وسارعت أمانة العاصمة المقدسة مؤخرا (2013م) بطلاء جدرانه الخارجية بلون أصفر جديد وغير ومعهود على المبنى المجلل دوما بحلل البياض. بدا لونه قريب الشبه من جلد البلدوزرات وهياكل الحفارات وأعناق الونشات المحيطة به من كل حدب وصوب.

كان اليقين الذي لم يخالج شك الجميع أن عيون وأسنان جحافل البلدوزرات تراقب المبنى من علو سفح خندمة. والمؤكد أنه لن يمض وقت طويل، وربما في غضون عام واحد، ليكون وجبتها القادمة استعدادا لإنشاء مباني ومصطبات بحسب مخططات توسعة الحرم المكي في الساحات الشمالية. وتلك قصة أخرى، يغلفها غموض مقصود!.


السلام عليك أيها النبي يوم ولدت ويوم تبعث حيا.

الخميس، 27 نوفمبر 2014

قصة السدود الأموية في مكة: إكتشاف سدّ أثري مندثر وسط تعديات في حي الغسالة

تعديات طالت سد الثقبة الأموي في حي الغسالة في مكة المكرمة
د. معراج مرزا يقف بجوار بقايا سد الثقبة الأموي

مكة المكرمة: عمر المضواحي

وقفت صحيفة مكة على تعدٍ جديد لحق بسدّ أموي أثري يعود الى القرن الأول الهجري، ولم يتبق منه الا بقايا يسيرة يمكن مشاهدتها الآن وهي تئن تحت أساسات مبان سكنية متعددة الطوابق في حي الغسالة شرق مكة المكرمة على طريق السيل الكبير المؤدي جنوبا الى مدينة الطائف.

وكشف الدكتور معراج بن نواب مرزا أستاذ الجغرافيا في جامعة ام القرى سابقا عن بقايا السد الأثري الذي يعرف بسد "الثقبة" أنشأه خالد بن عبدالله القسري والي مكة المكرمة ( بين عامي 86 هـ ـ 105هـ ) في عهد الخليفة الأموي سليمان بن عبد الملك بن مروان.

موقع سد الثقبة الأموي في حيّ الغسالة ـ صورة من غوغل إيرث

مبادرة معاد

رافقت صحيفة مكة د. معراج في جولة ميدانية استمرت خمس ساعات صباح يوم الأربعاء الماضي (19 نوفمبر 2014م) بعد جولة توثيقية سابقة مع فريق علمي من معهد أبحاث الحج والعمرة مبادرة "معاد" لتعزيز الهوية المكيّة يتقدمهم رئيس المبادرة د. فايز صالح جمال ود. محمد إدريس وكيل المعهد للدراسات، ود. عدنان الحارثي أستاذ التاريخ الحضاري في جامعة أم القرى للوقوف على بقايا سدّ الثقبة الاثري في حي الغسالة حاليا، الذي أنشأت على اطراف حجارته مبان سكنية حديثة، بعد كسره وإقامة طريق رئيس للسيارات يخترق الحيّ شمالا وجنوبا.

وقال د. مرزا: إن سدّ الثقبة يقع على مفيض شعب من الجهة الشمالية تحت جبل "ثبير غيناء" بامتداد يصل نحو 250 مترا وعرض السدّ مترين تقريبا شيد من حجارة ضخمة. وهو أحد سدّين أمويين اثنين كانا طوال اكثر من 1300 عام يحجزان سيول الأمطار وفيضانها على صدر وادي ابراهيم حماية لعدم إغراق بيت الله الحرام الذي يبعد نحو 5 كلم عن موقعهما.

المدخل الرئيسي الى حي الغسالة وبقايا السد الأثري موزعة بين قطعتي الأرض يمين ويسار الصورة

سدّ ضائع!

يقول د. معراج: أما السدّ الآخر فكان يقع عند نهاية شعب في الجهة الشمالية الشرقية للجبل الضخم قبل ان يندثر ويضيع أثره للأبد وسط تمدد الأحياء السكنية في تلك المنطقة. مشيرا الى أن السدّ الثاني ضاع أثره الآن بعد تعديات مماثلة. مؤكدا أنه كان في ناحية مقابلة وموازٍية لموقع بقايا سدّ الثقبة الحالي تحت جبل ثبير غيناء. وانه ربما يكون آخر من شاهد بقاياه قبل نحو أكثر من  30 سنة ، وقام بالالتقاط صورا فوتوغرافية له يحتفظ بها في مجموعته الخاصة.

وأوردت كتب تاريخ مكة، أن خالد القسري أقام بركة لحبس الماء في موقع خلف سدّ الثقبة وأجرى منها عينا الى الحرم المكي لتصب في نافورة مياه ما بين بئر زمزم ومقام إبراهيم عليه السلام داخل المسجد الحرام. لكن لم يشاهد أي اثر لهذه البركة خلال الجولة الميدانية.

وقال د. مرزا وهو استاذ زائر بمركز التحليلات الجغرافية في جامعة هارفارد الامريكية حاليا الى أن دولة الخلافة الأموية عرفت منذ تولي معاوية بن ابي سفيان مقاليد الخلافة في العام 58 هـ باهتمامها بإنشاء السدود والقنوات المائية في الجزيرة العربية، وخاصة في الطائف وطريق الهجرة وصولا الى المدينة المنورة.


لوحة هيئة السياحة والآثار على سدّ اوثال أحد السدود الأموية في مشعر مزدلفة

هيئة الآثار

أقامت الدولة الأموية خمسة سدود في مكة المكرمة لحماية المسجد الحرام والمشاعر المقدسة من فيضان السيول في مواسم الأمطار. اثنان على يد خالد القسري وقبله ثلاثة سدود على مفيض جبال مشعري منى ومزدلفة على يد الحجاج بن يوسف الثقفي بين عامي ( 73 هـ ـ 75 هـ) اثناء ولايته على مكة في زمن خلافة الوليد بن عبدالملك.

واشار د. معراج مرزا الى حماية سدين اثنين فقط من أصل السدود الأموية الخمسة بعد تدخل هيئة السياحة والآثار وفرض سياج حديدي حول بقاياهما القائمة حاليا في مزدلفة والآخر مقابل له في مشعر منى.

فريق معاد ومعهد أبحاث الحج على سد أوثال في مزدلفة
وايد د. معراج ضم صوته الى مطالبة مبادرة "معاد" بالحفاظ على هذا الموقع الاثري. وقال د. فايز صالح جمال لصحيفة مكة إن الأمل كبير في سرعة تدخل هيئة السياحة والآثار بإنقاذ ما تبقى من سدّ الثقبة في حي الغسالة، اسوة بما قامت به مشكورة في سدّي الحجاج بن يوسف الثقفي في مزدلفة والمعيصم، والعمل على ابتكار طرق للاستفادة منها كمواقع اثرية تعكس جانبا مهما من تاريخ وهوية مكة المكرمة.
وقال مصدر رفيع في أمانة العاصمة المقدسة لصحيفة مكة انه إذا تم توثيق موقع سدّ الثقبة الأموي ورفع إحداثياته، فإن امانة العاصمة ستساهم بالتعاون مع هيئة السياحة والآثار بحماية السدّ كموقع أثري مهم.

د. معراج مرزا يقف على السدّ بينما تتبدو حجارته المتساقطة بين النفايات
بالمشاهدة لا يمكن حاليا معرفة ارتفاع حائط السدّ الحجري بفعل الطمر والإهمال الذي تعرض له طوال السنوات الماضية بعد كسره. وتظهر بقاياه حاليا تحت حدود تلال جبلية في أقصى شمال قطعتي أرض واسعة ومسورة بحوائط مرتفعة وذات نمط متشابه ولكل قطعة ارض باب رئيس مفتوح على ضفتي الطريق المؤدي الى عمق الحيّ السكني.

كما يوجد طريق فرعي صغير وقصير خلف حمى السد ينتهي شرقا بمبنى سكني حديث، وفي الجهة الغربية  خلف السد اقيمت ملاحق مخصصة لمحلات ومستودعات تجارية، وتبدو أجزاء كثيرة من حجارته سقطت تحت بقايا السد بعد كسره، يغمرها نفايات وبقايا مواد بناء وأخشاب وحديد ومخلفات سكان الحيّ.

سدّ أوثال في مزدلفة

سد أوثال

قبل وصولنا الى جسر الملك خالد بن عبدالعزيز في مشعر منى نبه د. معراج الى تباين منسوب الطريق وبدا محدودب الشكل فيما يعرف جغرافيا بخط تقسيم الماء بحيث يصب جزء من السيل غربا في صدر وادي إبراهيم، فيما يصب الجزء الآخر وينساب في صدر وادي محسر الى مزدلفة شرقا.

ويقع أول السدود الأموية الثلاثة التي بناها الحجاج بن يوسف الثقفي في المزدلفة تحت أعالي سلسلة جبال مشرفة على وادي محسر عند حدود مشعر مزدلفة تفيض سيولها على وادي "الصدر" وهو رافد رئيس لوادي إبراهيم.

ويمكن مشاهدة السدّ المعروف بسدّ أوثال على يمين الصاعد الى مشعر مزدلفة تحت أحد مخازن المياه الاستراتيجية في مكة ( يتسع لنحو مليون متر مكعب ويكفى سقاية أهل مكة لخمسة أيام كاملة) ومسور بأسلاك وقضبان حديدية وضعتها هيئة السياحة والآثار حول السدّ كموقع أثري. وتنشط حوله الآن عمليات إزالة واسعة وقص لسفوح الجبال المحيطة لإنشاء مسطحات ضخمة تخصص كمواقف للحافلات في مواسم الحج القادمة.    

وبحسب كتاب السدود الأثرية بالجزيرة العربية وهو من تأليف د. ناصر الحارثي (رحمه الله) فإن هذا السدّ يعرف بـ "سدّ أوثال "وهو من السدود الثلاثة في مكة المكرمة التي بناها الحجاج بن يوسف الثقفي سنة ( 73 ــ 74هـ) في شمال المعيصم على طريق وادي العسيلة، ويصل طول السد الى حوالي (140) متراً ، وعرضه عند القمة (6) أمتار وواجهته مدرجة وجدار السد مقسم إلى خمس طبقات، ويشاهد على واجهة السدين الآخرين على يسار القادم من مكة كتابات إسلامية منقوشة على صخور السدين تعود للعصر الأموي".


سدّ الحجاج بن يوسف الثقفي تحت جبل الأحدب (ثبير النصع) في المعيصم بمشعر منى,

سدّ الحجّاج الثقفي

أما سدّ الحجاج الثاني، فقد ضاع وفقد أثره بعد أن تمت إزالته لإنشاء مباني مجازر المعيصم الآلية للمواشي في مشعر منى، ولم يبق له أي أثر اليوم. فيما تبدو بقايا سد الحَجّاج الثالث افضل حالا من سابقه، وهو يقع شرق مباني المجازر تحت جبل الأحدب (ثبير النصع) وهو مبنى من حجارة ضخمة يبلغ عرضه عند قمته نحو أربعة امتار تقريبا، ويخضع أيضا لحماية هيئة السياحة والآثار كموقع أثري دون الإشارة  ـ كسابقه ـ الى أي معلومات عن السدين في لوحتي الهيئة المقامة عندها.


وتجري تحت السدّ اليوم قناة خرسانية واسعة  لمشروع تصريف أمطار السيول مما يدل على أهمية هذه السدود الأموية في منع فيضان سيول الأمطار وحماية مواسم الحج من أخطارها على مخيمات الحجاج ولسلامة ضيوف الرحمن في منى ومزدلفة طوال العصور الماضية.


إطار 1



كسر سدّ الملك عبدالعزيز التاريخي في وادي جليل لإنشاء طريق الدائري الثالث!

يبدو أن مواقع السدود الأموية الثلاثة الباقية في مكة ربما أفضل حالا من مصير السدّ التاريخي الذي جدد بناءه بالخرسانة المسلحة في عهد الملك المؤسس عبدالعزيز بن عبد الرحمن آل سعود حيث باشرت امانة العاصمة المقدسة بكسر أحد شقي السدّ لتوسعة طريق محليّ قديم، وانشاء طريق واسع ضمن شبكة طرق الدائري الثالث الذي يربط نهاية شارع الجزائر (اللصوص سابقا) في حي العتيبية بالقرب من مخطط دغش القحطاني ليكون موازيا من الجهة الغربية لشارع الحج  ويخترق واد جليل وصولا الى جهة أسواق الدواس شرقا.

وادي جليل.. أحد فروع وادي فخ الي عبر منه النبي (ص) في فتح مكة.

ويشهد هذا الوادي التاريخي المعروف باسم وادي جليل الذي عبر منه النبي محمد صل الله عليه وسلم خلال فتح مكة في السنة الثامنة للهجرة، مصاعب جمة خلال مواسم الأمطار كونه وادٍ منخفض تتجمع فيه كميات كبيرة من مياه السيول، وتبدو آثار أمطار الأسبوع الماضي واضحة في عين المكان الذي تجري فيه ورشة عمل ضخمة لاستكمال المشاريع المقررة لهذه المنطقة.

وقال مصدر رفيع في أمانة العاصمة لـ صحيفة مكة إن العمليات الانشائية قائمة على قدم وساق لاستكمال إنشاء طريق يخدم مشروع شبكة طرق الدائري الثالث في مكة المكرمة في الموقع بعد انتفاء الحاجة للسدّ القديم.

مشيرا الى قيام أمانة العاصمة بتنفيذ مشروع تصريف مياه الامطار والسيول تحت الأرض من خلال عبارة خرسانية جديدة تمتد تحت مجرى السيول المنقولة والقادمة من سدّ "الهميجة" الذي تم تحويل سيول المعيصم إليه، لتنتهي العبارة الجديدة لتصريف المياه من جهة حيّ النواريّة في شمال مكة على طريق الهجرة الى المدينة المنورة.

بقايا أعمدة مشروع قديم لإنشاء جسر فوق السدّ التاريخي في وادي جليل.
وبالمشاهدة خلف بقايا الجانب الجنوبي من السد ترتفع عدة أعمدة خرسانية شاهقة على جانب واحد من الطريق، فيما يبدو أنها كانت لمخطط سابق إنشاء جسر عال يمر فوق السدّ القديم، قبل تعديل خطط المشروع وإقرار التخلص من السدّ لتنفيذ الطريق الذي سيساهم (رغم وقوعه في بطن الوادي) في تسهيل الحركة المرورية خصوصا في مواسم الحج المزدحمة.

وقال د. فايز صالح جمال رئيس مبادرة "معاد" لتعزيز الهوية المكيّة أنه تم إبلاغ المسؤولين في أمانة العاصمة المقدسة، بضرورة استحضار أهمية أي موقع تاريخي في مكة عند تقاطعها مع أي مشروع للتطوير، وتوفير البدائل الهندسية الممكنة التي تنفذ مشروع الطريق الدائري الثالث مع الحفاظ وبقاء المواقع النبوية والتاريخية فيها.

ونبه د. فايز أن مشروعات وادي جليل الذي يعد أحد فروع وادي فخّ الكبير كان ينبغي عليها مراعاة تاريخية الموقع، والمحافظة على جزء أصيل من المسار النبوي في فتح مكة، الى جانب أنه كان من الممكن معالجة وضع الطريق الجديد بشكل يحافظ على جسم السد التاريخي الذي يرتفع نحو 10 أمتار تقريبا وبعرض يتجاوز 300 متر تقريبا، من خلال فتح عبارات على شكل أقواس كافية لمرور السيارات في الطريق الجديد مع الحفاظ على شكل السدّ وانشاء مركز ثقافي على أحد جوانبه، بدلا من كسره وإزالة  نصفه وبقاء النصف الآخر مشوها كما هو الوضع القائم الآن.

سدّ وادي جليل بعد كسر وإزالة نصفه لتوسعة الطريق!.
وكان السدّ  التاريخي الذي يعرف محليا باسم سدّ "لقيطة" محل جدل وشد وجذب بين أهالي الأحياء المجاورة والجهات المختصة، في أهمية بقاءه بعد مزاعم بعدم الاستفادة منه، وطالب بعض الأهالي فرع وزارة النقل في مكة وأمانة العاصمة المقدسة بضرورة إزالة السدّ القديم لتنفيذ الطريق الحيوي والذي سيسهم في تحرير الحركة المرورية في شارع الحج أحد أكبر واهم الطرق الدائرية في العاصمة المقدسة بعد تنفيذ مشروع سد وادي لقيطة الجديد، وهو ما بدأ العمل به فعليا خلال جولة صحيفة مكة ظهر يوم الأربعاء الماضي.


الى لقاء..
مراسل صحيفة مكة عند سدّ الحجاج بن يوسف الثقفي في مشعر منى.

الأحد، 23 نوفمبر 2014

عن استقالته: عبدالرحمن الراشد.. فوق العاصفة!



مكة المكرمة : عمر المضواحي



بين ترشيحات تضعه كإسم محتمل لمنصب وزير الثقافة والإعلام الشاغر في وطنه، وبين تأكيدات أن الرجل قرر أن يلقى عصاه السحرية ويخلد الى الراحة بعد أن أتم أهم إنجازاته الإعلامية في صنع قناة فضائية إخبارية سعودية ووضعها على سدّة القنوات الإخبارية العربية، قررت إدارة قناة العربية قبول طلب استقالة مدير عام قناة العربية الأستاذ عبدالرحمن الراشد أمس وتعيينه فورا في مجلس إدارة مجموعة MBC بعد عشر سنوات كاملة وضع فيها اللبنات التأسيسية الأولى للقناة في العام 2004 م.

وكان آخر نشاط له مشاركته في طليعة الوفد الإعلامي المرافق للأمير سلمان بن عبد العزيز، ولي العهد نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الدفاع نيابة عن خادم الحرمين الشريفين في قمة قادة دول مجموعة الـ20  خلال اجتماع قمة العشرون الاقتصادية في مدينة بريزبن الاسترالية الأسبوع الماضي.

لم تكن هذه الإستقالة (المتوقعة منذ أشهر) هي الأولى لعبدالرحمن الراشد فقد سبق وأن تقدم بطلب مماثل ومفاجئ قبل نحو أربعة أعوام في 14 سبتمبر 2010م، وبعد نحو أقل من سنتين من تلميحه الصريح  في بروفايل صحافي لصالح صحيفة النيويورك تايمز والذي نشر في الخامس من يناير العام 2008 والذي كشف فيه يومها أنه "يتعرض لضغوط سياسية، لكنه لا يحب الحديث عنها". مؤكدا أن ذلك ترك تأثيرا عليه. وتوقع لمستقبله أمام تلك الضغوط خيارين لا ثالث لهما حددهما في إجابته على السؤال بقوله " إما أن يتم فصلي، فأنا أدوس على أصابع أقدام كثيرة، أو أن أغادر بنفسي يوما ما ... لقد تعبت"!.
  
"
عليك ان تتذكري ان التلفزيون هو الذي صنع شهرة بن لادن ـ وهو ما خلق القاعدة وقدرتها على الاستقطاب، وهكذا ينتشر العنف في المنطقة"

حين سؤل عن حياته الشخصية الزوجية ولم لم يتزوج، ضحك واستحضر اقتباسا من ياسر عرفات الذي قال يوما انه "تزوج القضية" واضاف :انا متزوج من الاعلام، هذه وظيفة تستمر 24 ساعة في اليوم ، 7 ايام في الاسبوع، انا فعليا لا حياة شخصية لي


يقول الراشد انه يتعرض لضغوط سياسية، لكنه لا يحب التحدث عنها. وفي العام الماضي تم منع عرض وثائقي عن الملك عبد الله بعد بث حلقة واحدة منه. يعلق: "لقد حصلت خلافات داخلية به، نأمل عرضه مستقبلا"

لكن الراشد يقول انه يتعرض لضغوط دائما وان ذلك ترك تأثيرا عليه

"
اما ان يتم فصلي، أنا أدوس على اصابع اقدام كثيرة -  او ان اغادر بنفسي يوما ما ... لقد تعبت" حين سؤل عن حياته الشخصية الزوجية ولم لم يتزوج، ضحك واستحضر اقتباسا من ياسر عرفات الذي قال يوما انه "تزوج القضية" واضاف :انا متزوج من الاعلام، هذه وظيفة تستمر 24 ساعة في اليوم ، 7 ايام في الاسبوع، انا فعليا لا حياة شخصية لي حين سؤل عن حياته الشخصية الزوجية ولم لم يتزوج، ضحك واستحضر اقتباسا من ياسر عرفات الذي قال يوما انه "تزوج القضية" واضاف :انا متزوج من الاعلام، هذه وظيفة تستمر 24 ساعة في اليوم ، 7 ايام في الاسبوع، انا فعليا لا حياة شخصية لي حين سؤل عن حياته الشخصية الزوجية ولم لم يتزوج، ضحك واستحضر اقتباسا من ياسر عرفات الذي قال يوما انه "تزوج القضية" واضاف :انا متزوج من الاعلام، هذه وظيفة تستمر 24 ساعة في اليوم ، 7 ايام في الاسبوع، انا فعليا لا حياة شخصية لي حين سؤل عن حياته الشخصية الزوجية ولم لم يتزوج، ضحك واستحضر اقتباسا من ياسر عرفات الذي قال يوما انه "تزوج القضية" واضاف :انا متزوج من الاعلام، هذه وظيفة تستمر 24 ساعة في اليوم ، 7 ايام في الاسبوع، انا فعليا لا حياة شخصية لي
ويجمع المراقبون الذين تحدثت اليهم صحيفة مكة مساء أمس، أن استقالة عبدالرحمن الراشد لم تكن مفاجئة هذه المرة، بل أنها كانت متوقعة على عكس استقالته الأولى العام 2010م. ففي المرة السابقة كتب استقالته ولم يكن هناك بديل له يقود سفينة القناة الى مرافئ النجاح ويحافظ على اسبقيتها، على العكس من هذه المرة التي تم فيها مباشرة وبمباركته تعيين نائبه الدكتور عادل الطريفي مديرا عاما جديدا للقناة خلفا له.

ويغلب على ظن كثير من المراقبين أن قرار استمرار مدير عام قناة العربية السابق وعدوله عن استقالته الأولى آتى أؤكله تماما، وأن القدر كان يخبئ له في عالم الغيب دورا جديدا ونجاحا حاسما بعد أقل من عام فقط. وعلى كل حال لم يكن لأحد أن يتخيل قطّ كيف سيكون مشهد الربيع العربي من دون وجه وبصمة عبدالرحمن الراشد!.

لقد كان الشخص المناسب وفي المكان المناسب أيضا، لقيادة كتيبته الثقيلة عدة وعتادا لمواجهة كل الأحداث الصعبة التي واكبت الربيع العربي. فلا ينكر أحد أن الحياة الإعلامية قبل أحداث الربيع العربي شيء، وبعدها شيء آخر ومختلفة تماما. وكان عبدالرحمن الراشد كعادته فارسا إعلاميا جاهزا على الدوام. ولم يعرف عنه من قبل أنه من أولئك الذين يطرحون سيوفهم ودروعهم وفي الأفق العربي نقع معركة قادمة، مهدت لها تطورات سياسية غير واضحة المعالم ولم يعرف خير من شرها غلا بعد أن اشعل بوعزيزي تونس فتيل الربيع المتفجر.

وبالفعل، وجد الرجل أن راحته هذه المرة ستكون على صهوة القناة، ومبارزة أندادها في فضاء لا يتسع من المحيط الى الخليج فحسب بل والى أرجاء العالم كله. واصل الليل بالنهار بلا تعب ولا نصب وهو يبحث عن نقاط الضعف في صفوف خصومه ليوجه لهم ضرباته القاضية. ومضي طوال 3 سنوات حتى يوم أمس، وهو يخوض واحدة من اشرس المعارك الإعلامية والسياسية في حياته المهنية.

وأصبح بفضله وجهده ومثابرته لـ "العربية" دورا أكبر وبكثير من مجرد فضائية إخبارية عربية في داعيات وتطورات الربيع العربي. واستطاع ان يبلي  بلاء حسنا وبحرفية عالية جعلت من قناته القوية صوتا مؤثرا في قناعات قطاع واسع من الرأي العام العربي والدولي.

من المؤكد أن عبدالرحمن الراشد لن يبتعد كثيرا عن دهاليز مهنته ومعشوقته الأولى الصحافة. فالرجل لازال في عقده السادس ويتمتع بصحة جيدة، ولابد من ان يضع بصماته السحرية في جميع قنوات أكبر مجموعة إعلامية عربية بعد تعيينه عضوا في مجلس إدارتها امس.

ولا يمكن أن يتصور أحد أنه بعد كل هذه الخبرات والتجارب الناجحة خلال اربعة عقود من الزمن جعلت من عبدالرحمن الراشد أحد اهم قادة الإعلام السعودي في الخارج. ولا يمكن التفريط بهذا الصوت المؤثر في الراي السياسي العالمي حتى وإن رغب بذلك.

 حاولت صحيفة مكة الإتصال به في مقر إقامته حاليا في لندن لتعرف منه الحكاية. كان خط هاتفه النقال مشغولا على الدوام. يبدو أنه إستمرأ تحريك الزوابع حول قرار إستقالته الأخيرة والنهائية، وفضل أن يرتفع فوق العاصفة ليقرأ صحيفة المساء في مقهاه المفضل جالسا في مزاج رائق واضعا قدم على الأخرى، بوجه معجون بماء الرضا والبراءة. يتنفس هدوءا، ويزفر تهذيبا، وعلى محياه دوما ابتسامة طفل شقي!.


مادة ذات صلة: