الأربعاء، 6 مايو 2015

شاعر الحجازعبدالمحسن حليت: الغائب في الحضور.. الحاضر في الغياب!

الشاعر عبدالمحسن حليت



الثلاثاء 5 مايو 2015

طلّ شاعر الحجاز بوجه طليق وعينان غارقتان في حزن عتيق خلف بلّور نظارته الأنيقة من نافذة الغزل وتباريح الحبّ؛ بعد أن شاب مفرق رأس أصحاب قيسٌ ورفيقات ليلى، وذوت شعلة الرومانسية في مهج القبيلة، أمام بيارق مدن الإسمنت، مذكرا أن الحياة فانية بلا موقف، وأن الحبّ وحده لا يموت!.

تساءل دهاقنة الرأي: من بعث الشاعر من خِدر خيمة صمتّه الطويل، ولماذا قطع ملازمة صومعة حكمة السكوت والصبر الجميل، وكيف ألقى عرجون قمره الثائر وشُهب أجرام قصائده السياسية الغاضبة في شِباك عسّجد الشّمس، وتنفّس الصّباح، ومغازلة العاشق للغيّد الملاح؟!.

بعد غياب طال خمس عشرة سنة، فاجأ جمهوره المنتظر مرتين هذا العام ليلقي مع قصائد غزله وبوحه حجران في مياه الأسئلة؛ مرّة مشاركا 65 شاعرا في ملتقى الشعراء العرب الثاني في الباحة، وتارة أخرى بلا شريك بعد نحو خمسة أشهر في الطائف.

الحق أن عبدالمحسن بن حليت مسلم بدا متماسكا في اعتداده وكبريائه في ليلة الباحة القمريّة؛ وطفق يلوّح بيدين عارتين الا من غضبته ليلقي قفاز تحديه في وجوه رهط الكراهية ليقول بثقة المنتصر:

سأظل عن تلك العيون أقاتل ... أنا عن هواك وعنك لا أتنازلُ
وسأشعل الدنيا حروبا كلما ... قطعوا الرسائل بيننا أو حاولوا
عشية دخول شهر نيسان الماضي ضرب الشاعر موعدا يتزامن مع قطاف ورد الجوري الطائفي الشهير، لتعبق المدينة المعلقة كقنديل فواح على جبال السروات بالشعر والعطر وآهات قلوب المحبين. ليلتها تفتحت بتلات شعره الغزلي مجددا، معلنا تخليه عن جلباب السياسة والمواقف الجدلية، واختار أن يوشوش أذن عروس المصائف؛ معتذرا في سمت العاشقين ـ بعد غياب دام 20 عاما ـ عن طول البعد وهجر الأمسيات الشعرية. وقرر أن يطوّق جيد حبيبته بعد أن فرغ صبرها بقصائد وابيات منظومة كعقود وردّ ونعناع المدينة ونوّامها العاطر.

ها قد عاد الشاعر الخمسيني الى صبابته وعنفوانه، وراح يُطرق أسماع قبيلة محبيه بشيء من تراتيل السحر والحلم والمشاعر الدافئة. كأنه لم يغبّ قطّ، وكأن سنوات الانتظار كانت مجردّ سبحة كهرمان يحرك خيط خرزاتها بين يديه.

في ختام أمسيته، وكما يفعل دوما في أخر أبيات قصائده، كشف للحضور سرّه القديم، ووصم قصائد غزله التي لطالما كتبها عشاق الحجاز سرا في دفاتر حبيباتهم؛ لم تبّتل يوما قطّ في مناديل أنثى ملهمة!.

كأنه أراد أن يفصح لهم شيئا من الكلام غير المباح، وأن (الفياجرا) كانت موقف شاعر سياسي ولا تمت الى لحظات بوح غزله العفيف. ومن يقرأ لحليت لا يخطئ رؤية تعمّد الشاعر تغليف شعره بألوان الأحاجي ليغسل قلوب مستمعيه بماء الدهشة، آملا فهم خبيئة سرّ غيابه الطويل. ألم يقل لجمهور الطائف بوضوح: أنتم الغاوون ونحن الشعراء؟!.

مجتمع دفّان!

الناقد الأدبي حسين بافقيه تناول تجربة عبدالمحسن حليت الشعرية، وبالرغم من حرصه على عدم وضع بيض نقده في سلة واحدة، إلا أنه حمّل جزء من المشكلة للشاعر نفسه بعد ركونه الى غيابه الطويل عن أي نشاط ثقافي في الساحة الأدبية. وقال: مجتمعنا دفّان، فطواه سريعا بعد نحو ربع قرن من الغياب، بحجة أن البعيد عن العين بعيد عن القلب.

مذكرا أن في قضايا الإبداع ثمة ما يسميه الناقد ماثيو أرنولد "اللحظة التاريخية"، وهي تلك اللحظة التي يستجيب الأديب لها، فيتحقق حضوره فيها، فإذا ما غاب عنها، أو لم يستثمرها الاستثمار الحسن، فإن تلك اللحظة تفوته وتعبره.

أضاف: لعل شيئًا من ذلك حدث لشاعرنا، حين غاب حيث ينفع الحضور، وحضر حين ذوت تلك اللحظة التاريخية التي غاب عنها، وكان بإمكان اسمه آنئذ أن يؤازر القصيدة البيتيّة، لكن غيابه حسر الأضواء عنه، وحين حضر اليوم كان المشهد الشعري قد اعتاد غيابه وألفه، واستقبل شعراء آخرين رأى فيهم أصواتًا مهمة للقصيدة البيتيّة، وأهمهم جاسم الصحيح.

في المقابل وفي لقاء خاص أمس باح حليت لـ مكة بسر معادلة غيابه في الحضور ، وحضوره في الغياب مؤكدا: "أنا لم أقفل فمي، بل كُمّمت وخيطت شفتاي. كنت شاعرا ممنوعا، ومختفي عن الأنظار بسبب قصيدة، و لا زال ديواني الجديد "خدوش في وجه حبّ قديم" ينتظر في ادراج وزارة الثقافة منذ 5 سنوات لفسحه حتى الآن.

أضاف: لا تزال عودتي تحفها الاشارات الحمراء. وحينما يمنع الشاعر وتحبس قصائده عن النشر، فإنه مهما كتب سيظل بعيدا عن التفاعل مع قراءه. نعم تأثرت كتاباتي بعد منع استمر 14 سنة كاملة. في "غوانتنامو" هناك من حُبس بعدي، واطلق سراحه قبلي، بينما لا زلت رهين المنع. وللحقيقة لم أكن نادما أبدا عن الغياب، هذا ثمن دفعته وكنت أعلم مسبقا بأني سأدفعه يوما ما. مقابل كل قصيدة أكتبها.

صراع القديم والحداثة!

بتفحص الناقد؛ يطرح بافقيه تأويلاته لأسباب تهميش النقاد لتجربة شاعرنا. يقول: "جاء في مخاض عصر حركة الحداثة في المملكة، وما رافقها من انشغال نقاد الأدب العربي آنذاك بتدشين تجربة الشعر الحديث التي تناصب وترفض الشعر المنبري، ويغضون الطرف عما يغايرها ويباينها، ولديهم مواقف فنية وفكرية كذلك من شكل القصيدة العمودية، فلم يكن لديهم استعداد الالتفات الى شاعر غير حداثي، ولو تناول نقاد حركة الحداثة تجربة عبدالمحسن حليت الشعرية (ربما) أساءوا إليها. فمقاييسهم النقدية لا تنطبق حتى على أمير الشعراء!".

أضاف: "الغريب أن تجربته الشعرية بالرغم من أنها تتجاوز كثير من شعراء جيله في التجربة والعنفوان، لم تحظ أيضا باهتمام نقاد الشعر العامودي كما ينبغي ولا أعرف أسبابهم لذاك، على الرغم من أن ديوانه الأول (مقاطع من الوجدان) كان مطبوعا منذ العام 1403ه، وكان يمكن أن يكون شاعرهم الذي يناضلون من أجل تجربته المقابلة لحركة الشعر الحديث".

سادن المبادئ والمواقف

وزن حليت في شعراء جيله كجبل أحد يحبهم ويحبونه. وهو في الشعر السياسي رمحا لا يهادن أو ينكسر، وإذا زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر كان أول من يلبي نداء المواقف المبدئية ويظهر كحامل مفاتيح سدانتها. وإذا حانت ساعة الحب وفنّ الغزل فستجد قصائده أرقّ من طوق حمامة.

يؤمن الناقد حسين بافقيه أن اختيار الموقف هو جزء أصيل من قصائد عبدالمحسن حليت. مشيرا الى أنه "كان شاعرا يعبر عن حال الناس بشكل لا يجسر الآخرون عن التعبير عنه". لكن في قناعته النقدية أيضا أنه "لا يضرّ بالشعر الا قضية المواقف. لأن على الشاعر حينها إما أن يكتب شعرا يعلوا على الموقف، وإما يكتب موقفا يعلو على الشعر. وهذه مشكلة كثير من الشعراء. فلابد وأن تصل القصيدة الى الفن والجمال، لا الى تغليب الموقف، لتدخل الى ديوان الانسانية".

حليت يدافع عن خياراته وقناعاته أيضا، مؤكدا: " أن مهمة الشاعر الأولى هي أن يكون صوت الناس. وتساءل: ما قيمة الشاعر أن يهتم فقط بلون شعر او حقيبة يد حبيبته؟!. لا يجب أن تكون القصائد كلها تحت احتلال الهمّ الخاص، والابتعاد عن الهمّ العام وما يشغل الناس. في وجهة نظري أؤمن أن أي مثقف يجب أن ينحاز الى الناس، ولا أحد إلا الناس؛ وهذا ما أفعله!".

إنسان قبل الشعر.. وبعده

المقربون من ابن وجيه المدينة المنورة الشيخ الأديب حليت مسلّم الحربي إمام وخطيب مسجد قباء في حياته، يرونه دوما أكثر من إنسان وأقل من ملاك. ويشهدون له بأنه نوع بشري خاص لا يجود الزمان كثيرا بمثله. إن ذكرت الصداقة ومعان النبّل والأخوّة فهو عنوان ماثل يمشي على قدمين. 

في محنة صديقه محمد صادق دياب. ترك عبدالمحسن كلّ شيء خلفه، وأصرّ على أن يرافقه من لحظة إكتشاف مرضه الخبيث وحتى أوسد جسده رحمه الله تحت لحدّ رطب في مقبرة أمنا حواء.
كان أول من نسج لصديقه قصيدة رثاء قبل عشرون يوما من لحظة الحقيقة. رثى من لوعته فيها نفسه قبل فقد الصديق. توسّل إليه شعرا بلا جواب:

"لا تغادر، أرجوك .. أنت الشباب
لم يحن بعد يا صديقي الغياب
 أنت حيّ فوق التراب معافى
وأنا من عليه يُحثى التراب!".

بعدها؛ ودّع رفيق دربه (أبا غنوة) قريبا من مسقط رأسه في بيوت جدة القديمة، وأشجار النيّم الثلاثة التي أستودع الراحل جذوعها وأوراق اغصانها شجواه ونجواه، لتحرسه حمائم الرحمة لتؤنس وحدته بصوت هديلها الذي كان يحب.

يصف بافقيه الموقف بأنه من اعظم المواقف النبيلة التي لا يمكن أن ينساها أحد، وينبغي أن نزداد تأملا فيها. هذا هو الخلق وهذه هي الشخصية الحقيقية للإنسان والشاعر عبدالمحسن حليت.

الصحافي أم الشاعر؟

يشهد حسين بافقيه أن "تجربة عبدالمحسن حليت الصحافية مشهود لها وله بالكفاءة والتميّز، ويعتبره صحافيا نموذجيا. "كان يحرر ويترجم ويخرج وينفذ بنفسه. وهذه مفاهيم متقدمة في العمل الصحافي لا يجيدها الا قلة".

منذ سنوات غسل الصحافي عبدالمحسن حليت خريج الإدارة العامة في إحدى جامعات الولايات الأمريكية أردانه من حبّر الصحافة وألوان أيامها الرتيبة. وللمفارقة، كان حظه أن يكون صحافيا يكتب باللغة الإنجليزية، وشاعرا لا يرى بدلا عن لغة الضّاد العربية. بعد صراع بين المهنة والهواية، قرر أن ينتصر لغواية الشعر مكتفيا بشكل عاموده الواحد وبحاره السبعة.

لم يخفِ يوما ضيقه القديم بأثواب صاحبة الجلالة وزيف صفحاتها وأعمدتها الثمانية. كان يرى ـ ولا زال ـ أن تلك الأعمدة محض قضبان من حديد وجدت هنا لتحرس بلا كرامة فضاء واسعا من الحريّة بلا مبرر. يقول: قصيدتي في رثاء أبا غنوة نشرت على استحياء وبعد وساطات محبين، وبعد حذف ابيات منها في ركن صغير على شارع فرعي في صحراء كالنفوذ، حيث لا يوجد أي كائن حيّ يقرأها هناك!.

يرمي حليت الكرة في ملعب الصحافة متهما إياها باتخاذ موقف مضاد منه كشاعر. يقول: "إن رؤساء التحرير سواء رضيت عني بنو تميم أو لم ترضى، لديهم موقف من قصائدي، ويتحرزون من نشرها، ويفتشون بين السطور عن ما قد تعنيه أبياتها ثم يحاكموها بناء على قراءاتهم وإسقاطاتهم عليها.

يختم موضحا:" لا اعتقد انني سأعود الى شارع الصحافة تارة أخرى. لقد عرض علي مؤخرا رئاسة تحرير صحيفتين ورفضت ذلك. نفسيا لست متهيئا لهذه المهمة، وجميعنا يشهد ويشاهد وضع صحافتنا الآن".


إطار ( 1 )


ولد الشاعر عبدالمحسن حليت في العام 1958م في المدينة المنورة. أصدر ديوانه الأول (مقاطع من الوجدان) في عام 1403ه. وبعد ثلاث سنوات أصدر ديوانه الثاني (إليه..) في العام 1406ه قبل أن يعود الى سحبه من الأسواق بطلب من والده رحمه الله بعد ان نشر فيه قصيدة طالت الرئيس المصري السابق محمد أنور السادات بعد وفاته. يقول: وقال لي أبي لقد أفضى السادات الى ربه، فسحبت الديوان ولو طلب مني أن أحرقه لفعلت".


الثلاثاء، 31 مارس 2015

المراسل الحربي السعودي ضرورة لإنعاش حياة الصحف!


مكة المكرمة: عمر المضواحي

مع تكرار الحروب والنزاعات العسكرية في العالم العربي، وأخرها عاصفة الحزم الوقائية في اليمن هذه الأيام، فشل التاريخ والزمان والمنطق في إقناع المؤسسات الصحافية والإعلامية الرسمية في السعودية بأهمية دور المراسل الحربي لتغطية أخبار الحروب والمعارك بعيون سعودية، وللقارئ والمستمع والمشاهد السعودي.

في العقود الماضية باتت الحرب حدّا خامسا يحيق بالمملكة مع كل دورة اضطراب في المناخ السياسي الملتهب بالمنطقة. وبات هناك "رزنامة" حروب عشرية تنشب هنا أو هناك بجوار حدودنا الواسعة. وبات غياب الصحافة السعودية عن كل ميادين المناطق الساخنة حولها غير مبرر على الإطلاق مع ارتفاع وتيرة الحروب والمظاهرات والثورات حولها.

السعوديون عادة هم من أكثر شعوب الأرض مناداة بالتخصص والخصخصة وفي كل المجالات، في المقابل يؤكد الواقع أننا آخر من يطبق هذه الدعوى عمليا، أو يعمل على ذلك. ويبدو في شكل مؤكد أن المؤسسات الصحافية المحلية ليست بدعا عن هذا الواقع المرير في بلاط صاحبة الجلالة؛ الصحافة.

فبالرغم من وجود نحو 20 صحيفة ومجلة ودورية في السعودية الا أنها لم تهتم قط بتأهيل وتدريب كوادر صحفية متخصصة في أخبار الحروب والمعارك العسكرية، فضلا عن غيابها في معظم التخصصات المطلوبة كالنفط، والتأمين، وغيرها مما يصعب حصره هنا.

وعلى الرغم من توفر خمس شعب لتدريس علوم الصحافة في أقسام الإعلام بجامعات المملكة الرئيسية، الا انها جميعا لم تهتم قط في توفير تخصص للصحافة العسكرية ـ وغيرها ـ ضمن مناهجها يتم من خلالها تهيئة كوادر وطنية للتعاطي مع هذا التخصص الذي بات ذو أولوية ماسة نظرا لكون المملكة جغرافيا ضمن واحدة من أكثر مناطق العالم سخونة في مجال الحروب.

في احداث الثورات العربية جميعها لم تخصص الصحف السعودية الورقية أي مراسل للتغطية من أرض الحدث بالرغم من أن الاستثمارات الاقتصادية السعودية هي الأكبر حصة في اقتصاديات جميع الدول العربية، علاوة على أن في كثير منها أملاك ومنازل للسعوديين، وكثير من أبنائنا الطلاب والطالبات يدرسون فيها. ومع ذلك غابت الصحافة السعودية عن تغطية الأخبار والقصص والتطورات وتقديمها لقرائها بعيون وطنية!.

هذا الغياب، يطرح في شكل جدي سؤلا يجدر الإجابة عليه. ما هو مستقبل الصحافة الورقية في ظل التطور الهائل للإعلام الاليكتروني ووسائط الاتصال الاجتماعي ( تويتر، فيس بوك، يوتيوب... الخ) حيث بات قراء الصحف يتابعون أولا بأول الأحداث من خلالها وعلى مدار 24 ساعة يوميا.

ومع غياب الأخبار والتقارير والقصص الخاصة ضعف موقف الصحافة الورقية في التوزيع والانتشار بشكل واضح عاما بعد عام، كونها تنشر في اغلب الأحوال أخبارا وتقاريرا باتت معروفة قبل صدور طبعاتها صباح كل يوم. وما يعقد الأمر أيضا عجز معظم هذه الصحف على تقوية ودعم مواقعها الاليكترونية لتغطية ومنافسة هذه الوسائل اللحظية، بسبب غياب الصحافيين المتخصصين في جسم هيئاتها التحريرية.

صحيح أن قواعد المهنية الصحافية غائبة عند العامة كون معظمهم يجهل أنها صناعة وعلم وتخصص تحكمها أخلاقيات وقيّم ومعايير محددة، لكنها غير ملزمة للمدونين والمشاركين في قنوات التواصل الاجتماعي الحديثة كونها تتيح لأي شخص التعبير عن رأيه بشكل منفرد ومستقل.

ومع عجز المؤسسات الصحافية عن مواكبة الأخبار بالطريقة التي يستخدمها الأفراد العاديون عبر هذه الوسائط الحديثة، تبقى بعيدة عن اهتمام قراءها التي أتاحت لهم أجهزة النقال الذكية أن يكونوا ـ في شكل عام ـ مراسلين ومعلقين عن الأحداث والأخبار كلٌ من زاويته وخلفيته ومعلوماته؛ وأغراضه أيضا.

 وحتى لا نبحر بعيدا، يجدر التأكيد على أن نشأة الصحافة العسكرية تأتي مرادفة مع نشأة الصحف بعد اختراع الطباعة على يد الفوهر غوتنبيرغ في منتصف القرن الخامس عشر الميلادي. وظهرت المطبعة في الجزيرة العربية في العام 1300 هـ 1880 م في عهد الوالي التركي عثمان نوري باشا وعرفت المملكة الصحف في عام 1326هـ 1908م بعد ربع قرن من دخول المطبعة الى أرض الحجاز.

ومع تزايد التطورات السياسية والعسكرية نتيجة سلسلة الحروب التي شهدتها المنطقة وما تبعها من الاهتمام لدى القراء بمختلف أطياف اهتماماتهم الفكرية والاقتصادية ومستوياتهم التعليمية، أقتصر دور وسائل الإعلام المحلية المختلفة بشكل عام على جمع الأخبار والتقارير المرسلة من مراسليها غير السعوديين في الدول الأخرى، ومن وكالات الأنباء أو ترجمتها من وسائل الإعلام الدولي.

لم تلتفت الصحف المحلية الى اهمية هذا الأمر، بالرغم من أن ذلك يعد من صميم عملها لخدمة معظم قرائها في الاخل. ولم تعط قدر ملحوظ من الاهتمام لهذا الأمر ذو التخصص الدقيق. فغابت الصفحات المتخصصة بشرح ما يحدث في أرض المعركة تلبية لحاجيات قرائها الماسة لمعرفة تفاصيل ما بعد الخبر الذي سيطرت عليه وسائل الاتصال والإعلام الفورية كالفضائيات والإذاعات ونشرات وكالة الأنباء في الإنترنت.

مع مطلع الألفية الثالثة، فشت ظاهرة جديدة آنذاك في الصحف المحلية، حيث قامت بعض الصحف بتقليد نظيراتها العربية المهاجرة (الدولية) التي عملت في سنوات حرب الخليج الأولى بين إيران والعراق (1980 ـ 1988م) على توفير غطاء لعوارها المهني وأخطائها الماضية، من خلال إبرام عقود مع وكالات أنباء أو صحف عالمية لترجمة أخبارها وتقاريرها وتحليلاتها ومقالات كتابها وقصص مراسلوها في مناطق الحروب العربية عبر ما سمي (بخدمة خاصة) وحصولها على حق ترجمتها باللغة العربية لتنشر بالتزامن مع المطبوعة الرئيسية باللغات الأخرى المختلفة.

وأظهرت ميزانية بعض الصحف السعودية الدولية أنها تنفق على شراء هذه الخدمات الخاصة نحو مليون دولار سنويا!. وهو رقم كاف لتأهيل كتيبة من مراسليها السعوديين في مختلف فروع تخصصات الصحافة العسكرية لو أرادت ذك حقا.

المؤكد أن الحروب كانت ولا تزال من أهم أسباب تقدم الصحافة في العالم، من خلال السعي وراء أخبار وقصص المعارك ونشرها. فالحروب وفق الدكتور حسنين عبدالقادر صاحب كتاب (الصحافة مصدر للتاريخ الطبعة الثانية 1960م مكتبة الأنجلو القاهرة) "إن الحروب تفتح الشهية دائما للأخبار".

وبحسب دراسة عن الشئون العسكرية في الصحافة المصرية كتب الدكتور محمد عبدالحميد أحمد أستاذ الصحافة بجامعة حلوان يقول " أدت هذه الحروب الى تطوير نشاط المراسلين وعزمهم على رفع مستوى المهارة الفنية في خدمات جليلة للأنباء, فقد كانوا يسارعون لتصوير الأخبار وقوفا على ظهور الخيل والبغال والحمير والزوارق البخارية".

أضاف: "أدت الحروب والمعارك العسكرية الى إرسال الصحافيين الى مواقع القتال فعرفت الصحافة مهمة المراسل الحربي الذي ينتقل الى ميادين الحرب ويختلط بالجنود وينقل أخبار المعارك وصورها وما يحدث فيها من مواقف إنسانية وما يقوم بين القادة من رسم للخطط العسكرية وتغيرها وفقا لسير المعارك". مشيرا الى أنه "خلال الحرب العالمية الأولى أوفدت وكالة رويتر وحدها 115 مراسلا حربيا الى مواقع القتال المختلفة لقي 15 مراسلا منهم مصرعهم وفقد منهم كثيرون".

وشدد د. عبدالحميد "أنه مع توسع الجيوش وتحويلها الى منظمات ترعاها الدولة توسعت في أعمالها على النطاق الزمني والجغرافي, ازدادت الحاجة لمعرفة أنباء هذه القوات والجيوش وتطورت وسائل النشر عن نشاط هذه القوات وكانت الحرب والقضايا العسكرية من العوامل البارزة التي دفعت الى الاهتمام بإصدار النشرات المطبوعة ونمو الصحافة.

موضحا أنه "في فترات الحرب تصدر الصحف عادة ملاحق عسكرية خاصة بأخبار الحرب وتقوم بشرح الأمور العسكرية والخطط الحربية وما يرتبط بها من مناورات وأساليب التكتيك العسكري وتكون مهمتها كذلك تقوية الروح المعنوبة لدى الجنود والمواطنين, وبث روح الهزيمة وإضعاف معنويات العدو". وأن "للصحافة العسكرية وظيفة ومهمة سواء في زمن الحرب تقوم بإعلام القارئ بتطورات سير المعارك وشرح العمليات العسكرية ومقاومة الإشاعات والحرب النفسية التي يشنها العدو والرد عليها, وإظهار روح البطولة بين المقاتلين".

أضاف: "كذلك يتطلب تحقيق هذا كله وجود المصور المتخصص في الشؤون العسكرية القادر على تحمل أهوال المعارك الى حد التضحية بحياته. وقد شهدت المعارك العسكرية كثير من المصورين والمراسلين الذين ضحوا بحياتهم وهم يؤدون أعمالهم مثلهم في ذلك مثل الجنود الذين يحملون المدفع ويضعون أرواحهم في أيديهم وهم يخوضون القتال في ساحة الميدان".

هناك حادثتان تستحق الاهتمام لمعرفة الفرق في التعامل بين الصحافيين في العالمين الغربي والعربي. أولها حادثة الصحافي الأمريكي بيتر آرنيت الذي صرفته القناة الأمريكية "NBC" لانتقاده استراتيجية الولايات المتحدة في الحرب على العراق ( 2003م) وإعلانه فشل الخطط الحربية, واستقطبته على الفور في خطوة ذات دلالة واضحة صحيفة الديلي ميرور تحت ما نشيت عريض " صرفته أمريكا لقوله الحقيقة ووظفته الديلي ميرور لمواصلة قول هذه الحقيقة!".

وفي حرب العراق سمح لأول مرة للصحافة العسكرية التابعة لدول التحالف بمرافقة القوات الحربية أثناء المعارك الدائرة  هناك. وسمحت وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) بذلك وفق شروط معينة, بل أنها لم تتردد في طرد جيرالدو ريفيرا مراسل قناة فوكس نيوز الأمريكية الذي كان يرافق الفرقة 101 المحمولة جوا في جنوب العراق بسبب تضمين تقريره الصحفي مواقع منطقة عمليات الفرقة وتهديده بحسب القائد الميداني بعرض أمن العمليات للخطر!.

في المقابل، وكنت أحد الصحافيين الذين شاركوا في تغطية دخول القوات الخليجية للكويت العام 1991م لصالح مجلة اقرأ الصادرة عن مؤسسة البلاد للصحافة والنشر، لم ترسل الصحف السعودية المحلية مندوبين عنها لتغطية حرب تحرير الكويت الا في أواخر شهر فبراير مع دخول طلائع القوات الخليجية لها، أو قبلها بيوم أو بعض يوم. أما الصحف الغربية فكان مراسلوها حاضرون هناك منذ ما يزيد عن ثلاثة أشهر تعرفوا خلالها على كل صغيرة وكبيرة قبل نشوب الحرب (التي بدأت في 17 يناير الى 28 نوفمبر 1991م) وقبل ان يحتدم الوطيس متسلحين بالخبرات المتراكمة والمعلومات المسجلة عن كل شيء يدور في أرض معركة التحرير!.


خلال مؤتمرات الإيجاز اليومي للمتحدث الرسمي لعاصفة الحزم في الرياض ظهر بجلاء مستوى الأسئلة التي يطرحها الصحافيون، وهي تغني عن كل قول هنا. فمتى تفيق مؤسساتنا الإعلامية المحلية لتنقذ نفسها أولاّ ـ بتأهيل كوادرها الصحافية الشابة ـ لمواجهة نزيف القراء لنسخها الورقية والإليكترونية، فضلا عن حربها الضروس مع وسائط الإعلام الجديد؟!. 

السبت، 28 مارس 2015

حفيد أمير الحديبية يضع النقاط على الحروف: هذه قصة بناء وهدم وإزالة موقع مسجد شجرة بيعة الرضوان! ( 6 ـ 6 )

صورة نادرة لمسجد بيعة شجرة الرضوان في الحديبية. (مصدر: الإنترنت)



مكة المكرمة: عمر المضواحي

لم يشهد مكان في مكة قط جدلا وخلافا فقهيا يفوق ما شهده تحديد المناخ النبوي في منطقة وادي الحديبية. وخلال العقود الخمسة الماضية كان العلماء والفقهاء مختلفين بشكل حاد حول صحة تحديد الأمكنة النبوية في مناخه صلى الله عليه وسلم في الحديبية، بين منكر لموقع مسجد قديم كان يعرف بمسجد الشجرة التي بايع أصحاب النبي محمد صلى الله عليه وسلم تحتها بيعة الرضوان، ونفي الصفة النبوية للبئر الحالية، وتحديد مكان عقد النبي صلى الله عليه وسلم لصلحه الشهير مع مشركي قريش في السنة السادسة للهجرة.

كانت الآراء على طرفي نقيض، وقودها مرويات متباينة من كتب الحديث والسير والمناسك، وكل طرف متمسك بسيف أدلته القاطعة، بعيدا عن إدخال أصحاب الاختصاص من علماء الآثار والتاريخ والجغرافيا لتقريب وجهات النظر بأسلوب علمي وعملي على أرض الواقع.

في العام 1399هـ حسم الامر، وتم تجاهل حقيقة المسجد القائم الذي يغلب على رأي الطرف الآخر أنه تم إنشائه منذ قرون مضت حسب مرويات كتب التاريخ وشهادات سكان المنطقة. وتم هدم المسجد وتسويته بالأرض، قبل أن ينجح الفريق الآخر بعد جهود مضنية في إعادة بناء المسجد من جديد في موقعه التاريخي.

غير أن أصحاب الفريق الأول، لم يركنوا للواقع واجتهدوا في تنفيذ مرادهم مرة ثانية، حتى  تمكنوا من الحصول على أمر جديد يقضي بإزالة المباني الجديدة للمسجد، وقبل أن تؤدى فيه صلاة واحدة. وتم طمس كل أثر ظاهر له في موقعه.

في وقت لاحق تم بناء مسجد (الشميسي) القائم حاليا على ناصية طريق جدة مكة القديم، ليكون مسجدا بمسجد سدا للذرائع، وحسما للجدل، ليسدل الستار على تلك القصة طوال العقود الماضية وفي شكل نهائي!.

في الحلقة الاخيرة من هذا التحقيق الموسع، رافقنا في جولة ميدانية اخيرة كلا من الشيخ عثمان بن نصير البركاتي الشريف، وابن عمه الشيخ محمد بن شرف البركاتي الشريف وهما أحفاد الشريف عبدالله بن ناصر البركاتي الذي كان أميرا على منطقة الشميسي (الحديبية) في نهاية عهد الأشراف، وفي بداية عهد الدولة السعودية الثالثة بعد دخول الملك المؤسس عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود ـ رحمه الله ـ الى مكة المكرمة.

شاهد عيان

الشريف عثمان بن نصير البركاتي حفيد امير الحديبية السابق.

لم يتردد الشريف عثمان بن نصير البركاتي (75 عاما) في وضع النقاط على حروف كل الأسئلة الغائبة عن أهم مواقع المناخ النبوي في الحديبية التي درج على مرابعها وعاصر كل تحولاتها، وشهد كامل التغييرات التي حدثت فيها خلال العقود السبعة الماضية من عمره المديد.

وكشف خلال جولة ميدانية في الحديبية رافقه فيها ابن عمه الشريف محمد بن شرف البركاتي (65 عاما) لأعضاء مبادرة معاد لتعزيز الهوية المكية جميع تفاصيل القصة والظروف التي واكبت تلك المرحلة التاريخية التي شهدت خلافا محموما حول مسجد الشجرة انتهت بإزالته وطمسّ كل أثر له منذ ذلك اللحين وحتى الآن.

الشريف شرف بن محمد البركاتي يستمع لنقاش الشريف عثمان
الشريف عثمان حسم كلّ الشكوك بتعيينه موقع مسجد الشجرة (بيعة الرضوان) الذي أزيل في أواخر العقد التاسع من القرن الهجري الماضي. وقال: إن مسجد "الشجرة" كان بناء صغيرا يقع بين السور الشمالي السابق للمقبرة وبين البئر تفصلهما مسافة غير بعيدة (بالمشاهدة اقل من 150 مترا تقريبا غرب البئر). مشيرا أن جده الشريف عبدالله بن ناصر توفي في العام 1360هـ ودفن في هذه المقبرة القديمة والوحيدة، وأنه سمع منه ومن قبله كابر عن كابر أن الرسول صلى الله عليه وسلم أناخ هنا (حول موقع المسجد المزال) في قصة صلح الحديبية في السنة السادسة للهجرة. موضحا أن جده كان يسكن هو وأولاده وأسرته فقط، ولم تتجاوز بيوتات الحديبية حينها 50 بيتا فقط.

حرص الشريف عثمان على قراءة الفاتحة على روح جده في مقبرة الحديبية القديمة.

المنع سدا للذرائع

وفسر الشريف عثمان البركاتي أسباب هدم المسجد القديم بقوله: نعرف جميعا أن الزيارة للمواقع الأثرية القديمة كانت ممنوعة. في السابق لم يكن يستطيع أحد ان يصل هنا لزيارة المسجد، وفي السنوات الأخيرة تغير الوضع، وباتت وتيرة الزيارات ترتفع حتى أصبحت الحديبية تستقبل حاليا أكثر من خمسين حافلة يوميا في موسمي الحج والعمرة.

مشيرا الى أنه في السابق كان يشاع بين الزوار القادمين من الخارج عن موقع الأطلال القديمة التي لا تزال باقية خلف المسجد الحالي بأنها مساكن أمهات المؤمنين الذين قدموا مع النبي صلى الله عليه وسلم في صلح الحديبية وأنهم كانوا يزورنه ويصلون فيها أيضا طلبا لبركة المكان حسب زعمهم.

أطلال المركز الأمني القريب للحائط الجنوبي لمسجد الشميسي القائم حاليا
وتذكر الشيخ عثمان قصة حدثت له مع وكيل أمارة منطقة مكة المكرمة الأسبق عبدالله الفايز بقوله: "طلبني الأخ عبدالله الفايز لتقديم شهادتي بعد ان وصلته آنذاك إفادة بأن هذا المكان (الأطلال القديمة) كان الرسول صلى الله عليه وسلم وأمهات المؤمنين يجلسون فيه، وأن الحجاج والمعتمرين كانوا يصلون فيه، ويأخذون منه حفنات من التراب طلبا للتبرك.

أضاف: أكدت يومها لوكيل الأمارة أن هذا المبنى يعود الى نحو 200 عام مضت، وأنه كان مركزا أمنيا للعسكر من ضمن المراكز المنتشرة على طريق الحاج القديم، وأنه بني في عهد الأتراك وكان يستخدم لأغراض أمنية فقط، وكلما تمر قوافل الحجاج ينفخون في البوص (صافرات) حتى يسمعهم المركز الآخر ليعلموا بأن قوافل الحجاج قادمة باتجاههم لحراستها، وهكذا حتى تصل القوافل الى مكة المكرمة.

مسجد السيدة عائشة في حي التنعيم (العمرة) بمكة المكرمة. (المصدر: إنترنت)

وأكد الشريف عثمان إن المسجد القائم حاليا حديث البناء، وتم بناءه مؤخرا على ناصية الطريق لم يمرّ عليه اكثر من 30 عاما تقريبا، حسب قوله. وعاد بذاكرته ليتحدث عن ملابسات هدم المسجد القديم بقوله: تم إزالة مبنى المسجد الصغير وتم إعادة بناءه على ذات النمط الخاص بمسجد التنعيم (السيدة عائشة رضي الله عنها) الحالي في حي العمرة، ولكن بثلث حجمه تقريبا.

أضاف: كان صديق والدي الشيخ عبدالله كعكي رحمهما الله هو مقاول مشروع إزالة مسجد الشجرة وإعادة بنائه في تصميمه الجديد لحساب وكالة الأوقاف التابعة سابقا لوزارة الحج في مكة والتي كان مديرها آنذاك السيد أمين العطاس رحمه الله.

وقال: بعد أن أنهى الكعكي بناء المسجد وقبل أن يتم تسليمه والصلاة فيه، جاءت الأوامر بإزالته فورا، فتم هدمه وقلعت قواعده الخرسانية وتم نقل أنقاضه وردمها خلف الجبال.

أضاف: في السنوات العشر الماضية بدأت أمانة العاصمة في تنفيذ  مشروع تسوير المقابر في مكة المكرمة، فتم تجديد سور المقبرة القديمة في الحديبية. وأذكر الى اليوم أنه كان بجانب السور القديم للمقبرة غرفة مبنية من الطين وبجانبها خزان ماء أثري وقديم تحت الأرض من عهد الأتراك كانت تستخدمه البادية للسقاية والوضوء للصلاة في مسجد الشجرة القديم.

بئر الحديبية محاطا بأسوار شركة محلية للمقاولات.

بئر المصنوع!

ويجيب الشريف عن سبب تسمية المنطقة بالشميسي بقوله أن ذلك نسبة لبئر قائمة على طريق الحاج القديم (جددها الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن في العام 1363هـ) ويقال ان الذي بناها شخص اسمه شمسي فسميت المنطقة باسمه. لكن هذه البئر (الحديبية) أقدم منها وهي أقدم بئر في المنطقة بحسب ما توارثناه من أسلافنا في المنطقة.

فوهة بئر الحديبية وتبدو طيها بحجارة القاحوط المستخدمة في الرواق العباسي في الحرم الشريف.

أضاف: هذه البئر قديمة من عهد الدولة العباسية، تم تجديدها في عهد الأتراك، ولا أعرف إن كانت هي البئر النبوية أم لا، ما أعرفه أن اسمها كان "بئر المصنوع". وقيل أن الحجارة المطوية بها هذه البئر هي من ذات نوع الحجارة (القاحوط) المستخدمة في بناء الرواق العباسي القديم في الحرم المكي الشريف.

ويؤكد الشريف عثمان البركاتي أن الأرض التي أقيم عليها المستودع الحالي الذي يوجد بداخله بئر الحديبية "كانت ملكا لأبي لكن حدودها كانت تبدأ بعد أرض المقبرة والمسجد القديم والبئر التي لم يقربها احد طوال القرون الماضية. وأن والدي رحمه الله قام ببيعها الى الشيخ عمر بن شلحان الرويس رحمه الله، ولا أعرف ما تم بشأن ملكية الارض بعد ذلك".

ملف مسجد الشجرة المفقود!

خريطة توضح موقع البئر عن مسجد الشجرة والمسجد الحالي والمقبرة القديمة.

من جانبه قال الشريف محمد بن شرف البركاتي أنه من المؤكد أن جميع التراخيص والمخططات (الكروكي) الخاصة بمسجد الشجرة القديم (بيعة الرضوان) لابد وأنها محفوظة في ملف كامل لدى ارشيف وكالة الأوقاف التي كانت تتبع سابقا لوزارة الحج والأوقاف (تتبع الآن لوزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف) وأنه من الممكن معرفة كل شيء عن مسجد الشجرة قبل وبعد إزالته في ملفات الوكالة.

خلال الأسابيع اللاحقة، اجتهدت صحيفة مكة للحصول على أي معلومة بشأن ملف مسجد الشجرة في أرشيف وكالة الأوقاف. ولم نحصل إلا على شهادة مصدر واحد، رفض الكشف عن هويته، يزعم فيها أن أحد أقربائه كان يعمل في وكالة الأوقاف، وأنه ابلغه بأن ملف وثائق وخرائط مسجد الشجرة تم سحبه من أرشيف الوكالة بعد تنفيذ أمر هدمه وإزالته، ولم يعدّ له وجودا منذ ذلك اللحين. غير انه لم يقدم دليلا ملموسا يؤكد ذلك غير شهادته الموثقة!.

إطار 1


ما الجديد الآن في الحديبية؟!

صورة حديثة لبئر الحديبية بعد إزالة شبك معدني أقامته شرة المقاولات.
·       تقدم عدد من أهالي الحديبية بشكوى أمام الجهات المختصة ضد شركة المقاولات التي قامت بالتعدي على حمى بئر الحديبية ومنعت الوصول إليه، وأكدوا أنه لا يوجد صكّ ملكية للبئر، وطالبوا برفع التعدي عليه والسماح للمسلمين بالوصول إليه.

تجديد وصيانة بعض أسوار المقبرة القديمة في الحديبية.

·       تقوم أمانة العاصمة المقدسة بأعمال تجديد لأسوار المقبرة القديمة.

فرش أرضية الأطلال القديمة للمركز الأمني السابق برمال نظيفة.

·       تم تهيئة أرضية أطلال المركز الأمني القديم خلف المسجد القائم حاليا وتجديدها برمال جديدة لتتسع للمصلين والزوار خلال موسم العمرة الحالي.

إنشاء مشروع جديد في الحديبية لصالح البنية التحتية لخدمات توسعة المسجد الحرام.

·       بدون أي ترميم أو تجديد لأسبلة الملك المؤسس رحمه الله في الحديبية، تم رفع الساتر المعدني حول السبيل رقم 2 والواقع بعد نحو 5 كلم من علامات حدّ الحرم باتجاه مكة بعد انتهاء مشروع إنشاء خزان الماء تحت أرض الحديقة الصحراوية.

إزالة الساتر المعدني حول سبيل الملك المؤسس رقم 2 في الحديبية
بعد إنتهاء مشروع إنشاء خزان مياة أرضي وتركه من دون ترميم أو تجديد.
شكرا للمتابعة.. الى اللقاء!

الخميس، 26 مارس 2015

إكتشاف أنقاض مسجد الشجرة "بيعة الرضوان" في المناخ النبوي بالحديبية. ( 5 - 6 )


إحدى الصور القديمة التي يشاع أنها لمسجد الحديبية قديما. (المصدر: إنترنت)


مكيّون يحلون لغزّ مسجد بيعة الرضوان!



مكةالمكرمة: عمر المضواحي
بعد جهد دؤوب ومخلص تم اكتشاف وتحديد ما يعتقد أنه الموقع التاريخي لمسجد الشجرة (بيعة الرضوان) الذي طمست معالمه بعد جدل فقهي وعلمي حاد انتهى بإزالة كل أثر له في نهاية القرن الهجري الماضي (العام 1399هـ).
تولى د. معراج بن نواب مرزا مستشار وكالة جامعة أم القرى للأعمال والإبداع المعرفي والأستاذ الزائر في مركز التحليلات الجغرافية في جامعة هارفارد الأمريكية، مهمة حسم الحيرة والاختلاف التي وقع فيها الجميع خلال الجولات الميدانية السابقة.

وبعد تطورات دراماتيكية صادفت مهمة البحث وتحديد موقع مسجد شجرة بيعة الرضوان القديم في منطقة المناخ النبوي بالحديبية، خاصة بعد إكتشاف خطأ أرقام الإحداثيات التي رصدت في كتاب عضو هيئة كبار العلماء أ.د عبدالوهاب ابو سليمان بعد جولة ميدانية في العام 1421هـ شاركه فيها د. معراج مع مجموعة من العلماء والخبراء المكيين، كان من الضرورة بمكان الاستعانة بالخبير الجغرافي المكي لتوضيح المسألة واستجلاء حقيقة الأمر، لوضع النقاط على الحروف.

وقبيل تحديد موعد الجولة الميدانية له، أمضى د. معراج مرزا وقتا طويلا للبحث في مكتبته ومركز معلوماته الضخم بمنزله عن كل ما يمتلكه من وثائق وخرائط وصورا فوتوغرافية تخص منطقة الحديبية، للاستعانة بها في مهمته الجديدة.. ومن هنا تبدأ الحكاية:

د. معراج يوضح لأعضاء مبادرة معاد مواقع المناخ النبوي الجغرافية في الحديبية
في صبيحة يوم الثلاثاء 17 نوفمبر 2014م كانت صحيفة مكة بمعية فريق مبادرة معاد لتعزيز الهوية المكية في انتظار وصول د. معراج مرزا للقيام بجولة ميدانية في المناخ النبوي بالحديبية، والوقوف معه على عين مكان مسجد "بيعة الرضوان" وأهم المواقع التي تم تحديدها خلال مشاركته في العام 2001م بمعية معالي عضو هيئة كبار العلماء الأستاذ الدكتور عبدالوهاب بن إبراهيم أبو سليمان وعشرة خبراء وفنيين آخرين في جامعة أم القرى ومركز أبحاث الحج والعمرة في رحلة علمية ميدانية (صباح الخميس 23 شوال 1421هـ) الى بعض المواقع أثرية شمال وغرب مكة المكرمة شملت منطقة الحديبية، قام د. أبو سليمان برصد تفاصيلها لاحقا في كتابه الشهير "الأماكن المأثورة المتواترة في مكة المكرمة ـ عرض وتحليل" الصادر عن مؤسسة الفرقان للتراث الإسلامي في العام 2009م.

د. معراج يشرح أمام مسجد الشميسي الحالي لكل من د. فايز جمال و م. أنس صيرفي المواقع النبوية في الحديبية
وقف د. معراج أمام باب المسجد الحالي مشيرا الى جهة الشمال قائلا: هناك يمكن مشاهدة ثنية المُرار (الكريمي حاليا) وهي درب بين الجبلين القائمين أمامنا التي سلكها النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه أثناء نزولهما في الحديبية. وخلفهما في عسفان توجد حرّة كراع الغميم. بينما خلف المسجد يقف الجبل الذي تعلوه القلعة التاريخية والتي تشرف على الوادي، وسمي الجبل أيضا باسم البئر المعروف ببئر الحديبية.

د. معرج برفقة م. أنس صيرفي خلال جولته في الحديبية.
وأكد في رده على سؤال لصحيفة مكة: أنه من المستحيل تحديد مساحة المناخ النبوي في الحديبية بدقة كاملة. تماما كما لا يمكن لأحد أن يعرف تحديد مساحة غزوة بدر ولا غزوة أحد بدقة، ولكننا جميعا نعرف حتما المواقع التي حدثت فيها هذه الأحداث من دون تحديد مواقعها بشكل قطعي.

أضاف: جميع النصوص التي تناولت قصة الحديبية تؤكد أنه كان مع النبي صلى الله عليه وسلم نحو 1400 صحابي منتشرين في بطن الوادي ولم يكونوا متجمعين في كتلة واحدة. بدليل أنه عندما حدثت البلبلة بينهم نتيجة إعلان اتفاق النبي في معاهدة الصلح مع كفار قريش والتي قبل فيها صلى الله عليه وسلم العودة الى المدينة من دون إتمام مناسك العمرة، دخل النبي صلى الله عليه وسلم على أم المؤمنين السيدة أم سلمة رضي الله عنها في خدرها وقالت له: يا رسول الله أخرج لأصحابك، وانحر هديك وأحلق شعرك فإنهم سوف يقتدون بك.

أضاف: وبالفعل خرج النبي وفعل ما أشارت به عليه، وصار هناك نداء عام ينبه الجميع بما فعل النبي صلى الله عليه وسلم مما يعني ان أصحابه كانوا متفرقين في بطن الوادي. فلا يمكن تحديد أو حصر منطقة المناخ النبوي بشكل قاطع لكنه حتما كان هنا في سهل الجبل وحول البئر وموقع مسجد الشجرة. ويمكن اعتبار البئر نقطة ارتكاز المناخ النبوي، والمعروف ان الناس لا تجلس جنب الآبار مباشرة ليتركوا المجال لسقاية الحيوانات والجمال والخيول والهدي وغيرها بل على مقربة منه. تماما كما هو الحال في بئر طوى ومكان مصلى النبي منه. حيث توجد مساحة كافية وبمئات الأمتار.

صورة من جولة الفريق العلمي الذي رافق د. أبو سليمان في العام 1421هـ لتحديد مواقع الحديبية

تغييرات متسارعة
خلال الجولة بدا د. معراج مرزا واثقا من الأمكنة رغم اعترافه بالتغيرات الهائلة التي حدثت على أرض المناخ النبوي في الحديبية بعد إنشاء المنازل والاستراحات والأحواش وانشاء الطرق الفرعية والرئيسية التي لم تكن قد أحدثت في جولته الميدانية مع فريق مركز أبحاث الحج قبل نحو 13 عاما مضت.
أخذت الحيرة تضرب يقين د. معراج وهو يقود الفريق مشيا على الأقدام من موقع المسجد الحالي سالكا بين الطرق الفرعية الفاصلة بين موقعي المقبرة القديمة وبئر الحديبية. كانت الأسوار الجديدة للمقبرة القديمة وحوائط مستودعات شركة RCC التي يقع البئر داخلها تعيق ذاكرته على تحديد المكان بدقة، وتثير شكوكه في آن واحد بعد أن غلب على ظنه أنه تم توسعة المقبرة القديمة من اتجاه سورها الشمالي والغربي بعد مشروع تجديد أسوار المقابر في مكة المكرمة قبل نحو ثمانية سنوات.

د. معراج مرزا يقف ( الى اليمين)على ردم في موقع مسجد شجرة بيعة الرضوان في الحديبية.
أسقط في يد د. معراج، بعد أن اصطدم بتلال ترابية عالية (عقوم) كانت تحجز مواصلة سير الفريق قدما. وكرر البحث مرارا  يمنة ويسرة عن منفذ في الطرق المسدودة بالعقوم تمكنه من تحديد موقع المسجد القديم. في آخر الأمر قرر صعود عقم ترابي مخلوط بأرتال من بقايا ردميات بنايات قديمة في محاولة أخيرة للتأكد من ذاكرته، بعد أن كاد يصيبه اليأس والقنوط.

جانب مما يعتقد أنه من بقايا قواعد مسجد شجرة بيعة الرضوان المزال في عام 1399هـ
لم يجد معراج شيئا يذكر يدله على طلبته، لكنه لاحظ فجأة بقايا قواعد خرسانية ملقية تحت الردميات، توقف للحظات وفكر باحتمالية أنها ربما تكون قواعد المسجد القديم الذي تمت إزالته في العام 1399هـ. بدأ يتجول في الموقع متفحصا كل خطوة يخطوها للأمام، وأخرج كاميرته الفوتوغرافية ليلتقط عددا من الصور الفوتوغرافية للموقع وسط دهشة واستغراب فريق الجولة.
برقت ملامح استبشار في وجه الرجل. وبدا أنه واثقا من وقوفه في عين المكان الذي وقفه قبل 13 عاما، بعد أن لاحظ وجود قضبان حديدية نافرة من بطن الأرض تحت العقم الترابي وبين السور الحديث للمقبرة القديمة!.

د. معراج يلتقط صورا توثيقية لمواقع المناخ النبوي في الحديبية
بعد جهد بسيط، وجد أن هذه الأسياخ والقضبان لاتزال متصلة بميدات (قواعد) خرسانية لا تزال مطمورة تحت الأرض، عندها أعلن لفريق الجولة أنه يغلب على ظنه وقوفه على موقع مسجد بيعة الرضوان المزال. مشددا على ضرورة التأكد في جولة جديدة من أرقام الإحداثيات التي رفعت وتم رصدها في كتاب الشيخ الدكتور عبدالوهاب أبو سليمان ليقطع كل شك لديه عن حدسه وملاحظاته في الموقع.

كانت الشمس قد توسطت كبد السماء، وظهر الإعياء والتعب يخالط ملامح فريق الجولة الذي أخذت مشاعرهم تتردد بين مصدق ومنكر لما رأوه وسمعوه من قائد الجولة. اتفق الجميع بعدها وهم يحثون الخطى عائدين الى سياراتهم أنهم حصلوا ـ على الأقل ـ على طرف خيط قادهم الى معلومة مؤكدة، وحقيقة غابت لأكثر من أربعين عاما مضت!.

إطار 1
عضو هيئة كبار العلماء يوثق موقع الحديبية في كتاب "الأماكن
 المأثورة المتواترة في مكة"

كتاب الشيخ الدكتور عبدالوهاب أبو سليمان.

أرفق عضو هيئة كبار العلماء الشيخ الدكتور عبدالوهاب بن إبراهيم أبو سليمان في كتابه الشهير "الأماكن المأثورة المتواترة في مكة المكرمة ـ عرض وتحليل" ملحقا خاصا في كتابه بعنوان "رحلة الى بعض المواقع الأثرية شمال وغرب مكة المكرمة" قام بها المؤلف بعد ترتيب من د. أسامة فضل البار وكان حينئذ رئيسا لمعهد أبحاث الحج في جامعة أم القرى بتاريخ يوم الخميس 23 شوال 1421هـ  (19 يناير 2001م).

السور الخلفي سور المقبرة القديمة. 1) د. ابو سليمان، 2) د. عويد المطرفي 3) المصور كامل أبو الخير،
 4) د. أسامة البار، 5) سمير نتو 6) فيصل ملا (بظهره أول الصورة)، 7) مصور تلفزيوني 8) عبدالعزيز قطب.

رافقهما في الجولة كل من د. عويد بن عياد المطرفي رحمه الله رئيس قسم القضاء (سابقا) ووكيل كلية الشريعة والدراسات الإسلامية للدراسات العليا والبحث العلمي في جامعة أم القرى (الذي كان يتولى مهمة التعريف بالطريق والأماكن التاريخية والأثرية) ود. معراج بن نواب مرزا أستاذ الجغرافيا في الجامعة، وعبدالعزيز قطب، وعدنان عبدالعزيز قطب، وسمير نتو ود. عبدالله شاوش وفيصل ملا والمصور السينمائي طلال قاضي، والمصور الفوتوغرافي كامل أبو الخير برحلة ميدانية لزيارة مواقع أثرية شملت مرّ الظهران (الجموم) و عسفان، والحديبية.

إطار 2


               الحديبية كما رآها فريق شرعي وعلمي في العام 2001

صورة توضح خيمة يستريح فيها النحالين لبيع العسل في الحديبية ويبدو بئر الحديبية خلفهما يسارا. من مجموعة د. معراج الخاصة)

تسرد صحيفة مكة النصّ الذي أورده المؤلف عن موقع المناخ النبوي في الحديبية (ص 262) .. كتب د. عبدالوهاب أبو سليمان يقول " ثم وصلنا الى الشميسي ( الحديبية ) ووقفنا على المكان الذي تمت فيه بيعة الرضوان، وكان فيه سابقا مسجد قديم، فأمرت وزارة الأوقاف عام 1399ه (1979م) بإنشاء مسجد جديد على موقعه، وبعد إقامته، جاءت الأوامر بإزالته فورا، وقد وجدنا عند وصولنا الموقع عددا من بائعي العسل معهم مناحلهم على سيارات، ووجدنا بالقرب من الموقع ـ الى الجنوب ـ بئر قديم لازالت المياه تشاهد في قاعه البعيد، التي ربما يصل عمقها الى حوالي 30 مترا. وإحداثيات موقع بيعة الرضوان هي: 21:26:09 شمالا و 39:37:40 شرقا" (وهي إحداثيات غير دقيقة بعد التثبت منها في جولة ميدانية مع فني مختص برفع الإحداثيات.

إطار 3

أبو سليمان لـ مكة: أسألوا د. معراج فلا ينبئكم مثل خبير !

مراسل مكة يصافح الشيخ الدكتور عبدالوهاب ابو سليمان في إثنينية الوجيه عبدالمقصود خوجه

بعد انتهاء حفل تكريم د. معراج مرزا في اثنينية الوجيه عبدالمقصود خوجة بجدة مساء يوم الاثنين (5 يناير 2015) التقت صحيفة مكة بالشيخ أ.د عبدالوهاب بن إبراهيم أبو سليمان عضو هيئة كبار العلماء السعودية حول رأيه عن عدم دقة إحداثيات موقع مسجد الشجرة القديم في الحديبية والتي سطر أرقامها في كتابه الشهير.

وقال ردا على سؤال لصحيفة مكة: لم اكتب كتابي الا بعد بحث مضن ورجوع الى كتب التاريخ والمصادر الموثقة، وأضفت إليه ملاحق لجولات ميدانية قمنا بها للتثبت من كل موقع فيه. في العام (عام 2009) طبع الكتاب عن طريق مؤسسة الفرقان للتراث الإسلامي في لندن، ولا أتذكر الآن كيف حدث ذلك الخطأ. هذا الأمر في غاية الأهمية وأشكر لكم تدقيقكم لهذه المعلومة، وجزاكم الله خير أن نبهتموني إليه. وأرجو تزويدي بأرقام الإحداثيات الصحيحة لتدارك ذلك في الطبعة القادمة للكتاب.

أضاف: عندما صدر الكتاب كانت له اصداء واسعة، والتقيت مع بعض كبار المسؤولين للنقاش حول محتواه، وكيفية الحفاظ على هذه الأمكنة، لكن للأسف لم يحدث شيء من ذلك الحين الى الآن.
وأعلن الشيخ أبو سليمان عن مباركته لكل جهد في إحياء الأمكنة النبوية والتاريخية في مكة والمدينة على وجه خاص. وقال: إذا تم إحياء منطقة الحديبية فهذا أمر جيد، وهذه الأماكن لا يمكن إعادة إحياءها مرة أخرى الا بإرادة ملكية سامية كي تتم مثل هذه المشاريع.

أ. د. معراج نواب مرزا في منزله بمكة المكرمة.

من جانبه قدم د. معراج مرزا تفسيرا للخطأ في أرقام الإحداثيات الواردة في كتاب الشيخ أبو سليمان. وقال: إن أجهزة GPS تقدم قراءات خاطئة أحيانا بسبب تغييرات متعمدة تنفذها الإدارة الأمريكية على مواقع الأقمار الصناعية، خصوصا في أوقات الحروب والازمات السياسية الدولية.

أضاف: بحسب خبرتي في الخرائط والمصورات الجوية حدث مثل ذلك معي أكثر من مرة. وباتت من الأمور المعروفة في مجال برمجة الأقمار الصناعية. حيث تعمد وزارة الدفاع الأمريكية على تغييرات محددة ومحسوبة في مواقع الأقمار الصناعية بهدف إعطاء أرقام إحداثيات خاطئة للأجهزة الأرضية لإرباك أي خطط معادية.

خريطة من مجموعة د. معراج مرزا تحدد أهم المواقع في الحديبية.

وزاد: لقد تأكدت من هذا الأمر بعد عدة تجارب في مطابقة خرائط قديمة مصورة رقميا من قبل أمانة العاصمة المقدسة، مع صور لدي سحبتها عبر برنامج قوقل إيرث. وعندما أحاول مطابقة صور الأمانة مع صور قوقل لا تنطبق تماما وبشكل غير مفهوم، فجميعها تم التقاطها عبر إحداثيات فنية وعلمية. وبعد أن سألت وبحثت في هذه المسألة، وجدت أن هناك تغييرات متعمدة تحدث في بعض الأحيان لمواقع الاقمار الصناعية.

مشيرا الى أنه لا يستبعد مصادفة ذلك خلال رفع الإحداثيات في الرحلة الميدانية للدكتور ابو سليمان، مما أعطى قراءات خاطئة للإحداثيات يومها، وأرجح أن حدوث هذا الخطأ تم بسبب ذلك، من دون قصد من فريق الجولة.

هنا تدخل الشيخ د. أبو سليمان معقبا على حديث واستنتاج د. معراج مرزا بقوله: ولا ينبئك مثل خبير!.