الأربعاء، 3 سبتمبر 2014

مشروع المصطبات الشرقية لتوسعة الحرم المكي.. هل تهدد موقع ولادة النبي؟!


مخطط المصطبات الشرقية حيث موقع المولد النبوي الشريف ومعالجة مبادرة معاد للتصميم بالعمارة المكيّة 
المصطبات الشمالية لتوسعة المسجد الحرام بعد معالجتها وتطعيمها بتفاصيل العمارة المكية



مكة المكرمة: عمر المضواحي

قبل أيام، خمدت ألسنة النار التي نشبت في جزء من ورشة أعمال تنفيذ المصطبات الشمالية لتوسعة المسجد الحرام، وهي ثاني حادثة في غضون شهر، لكن التساؤلات حول هذا المشروع الذي قدم نموذجا قائما في جواز قص ونسف الجبال الشوامخ حول البيت العتيق، تبقى معلقة بلا أجوبة، حول تأثيرها ومدى تجاوبها مستقبلا مع احترام ما بقي من الأمكنة النبوية والتاريخية حول مناطق التوسعة والتطوير.

بدأت حكاية مصطبات الساحات الشمالية كمكوّن مكمل لمشروع الساحات، بمساحة كلية تبلغ 56660 م2 لتمهيد الوصول إلى مبنى التوسعة التاريخية لخادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز للمسجد الحرام الشريف في الجهة الشمالية للمسجد الحرام (حي الشامية).

وستستوعب ساحات وأسطح المصطبات الشمالية وحدها نحو (187500مصل إضافي تقريبا) للمسجد الحرام، في شكل مريح وآمن يضمن أفضل شروط ممكنة لأداء العبادة في يسر وسلامة وفخامة ممكنة. فقد وقع اختيار المصممين على النمط الدائري اقتباسا من حركة دوران الطواف حول الكعبة المشرفة.

وكان هذا النمط من التصميم محل تفكر وتدبر كثيرين، كونه يؤسس لمنظور مستقبلي لعمارة المسجد الحرام، حيث تقع أكثر التخوفات على إكمال الشكل الدائري حول الحرم، مما يستوجب مسح الجهة الشرقية بما تضم من مكونات رئيسة في تاريخية وهوية مكة المكرمة. فهناك جبل أبي قبيس أول جبال الأرض، وموقع شعب بني هاشم، وما يضمه من مواقع حساسة منها موقع مولد وحياة النبي صلى الله عليه وسلم في مكة، وبقية المعالم التاريخية المشهورة، والثابتة يقينا لا شك فيه.

وفي الوقت الذي أخضع جبلي قيقعان والكعبة، لضروس وأنياب الحفارات والبلدوزرات، لتهيئة المصطبات الشمالية للمشروع، بدأت مجموعة بن لادن السعودية مقاول مشروع التوسعة بتنفيذ قوس جديد للدائرة المقترحة في الاتجاه الشرقي فعلا، لتلتهم جزءا وافرا من جبل خندمة. مما زاد حجم التخوفات، على مصير شعب بني هاشم وموقع المولد النبوي رمانة ميزان تاريخ مكة في الإسلام.

عند معالجة المادة وتهيئتها للنشر، تمنع خبير هندسي عن المشاركة. وأعلن صراحة في قوله: " والله، إني أجد حرجا في المشاركة بهذا الموضوع، وقد أستقر التصميم وشارف على الانتهاء في شكله الأصلي. الحديث هنا يصبح لا معنى له".
وهنا تبدأ القصة:

 
صورة لمبنى المولد النبوي (باللون الأصفر) والبلدوزرات والحفارات تمهد المصطبات الشرقية لشعب بني هاشم (الصورة في ديسمبر 2013) 

د. فايز صالح جمال
لا حاضر بلا ماضي

أكد د. فايز صالح جمال رئيس مبادرة معاد لتعزيز الهوية المكية، طرح مبادرة خاصة بتدارك الملاحظات التي حسبت على تصاميم المصطبات في الساحتين الشمالية والشرقية للمسجد الحرام قبل أكثر من عام على المسئولين في أمارة مكة المكرمة ومجموعة بن لادن السعودية وغيرها من الجهات الرسمية والأهلية.

وقال: إن المبادرة بحماية الآثار تعزز أهم و أحدث المفاهيم في تنمية و تطوير المدن مثل مفهوم التنمية المستدامة، وذلك من خلال حماية تراث المدن و المحافظة عليه و الاعتزاز به. و تعزيز الهوية و بناء الشخصية المكية، و التعلم و تنمية المعرفة لدى أهل مكة و زوارها. و بالتالي، تحفيز السعي لتحقيق مفاهيم تشكل قفزات نوعية تحافظ على الماضي التليد و تواكب الحاضر الزاهر و تتطلع المستقبل المشرق. مثل تطبيق مفهوم المدن الخضراء و المدن الذكية بطريقة غير مسبوقة تتناسب مع خصوصية المكان و المكانة.

لذا فمن الواجب أن تتجاوز أهداف مشاريع التنمية في مكة المكرمة الجانب المادي إلى الجوانب البيئية و الروحية و الاجتماعية ، بما يجعل من البيئة المكية بيئة تصطبغ بشكل فعلي و عملي بالمفاهيم العامة للإسلام كنظام حياة متكامل. يؤثر في حياة الفرد و سلوكياته و أخلاقياته. بحيث تصبح تلك البيئة تجربة عملية تؤثر و تطبع شخصية كل من يعيش أو يمر على هذه البقاع المقدسة (ساكنا أو مقيما أو زائراً) و تحوله إلى ممارس للأخلاق والسلوكيات الإسلامية على كافة الأصعدة الحياتية و الروحية.
خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز خلال اطلاعه على تصاميم التوسعة التاريخية  للمسجد الحرام في رمضان 1432هـ (نت)
 

د. سمير أحمد برقة
رؤية الملك
ويكشف السيد د. سمير بن أحمد برقة عضو مبادرة معاد والخبير في المعالم النبوية والتاريخية إلى أن موضوع المصاطب الشرقية لم تكن ضمن رؤية الملك لموضوع التوسعة. مشيرا إلى أن مجموعة معاد سبق وأن اجتمعت مع مجموعة بن لادن قبل نحو 15 شهر لم تكن فكرة المصاطب الشرقية قد تبلورت بعد، ونخشى من إقامة هذه المصاطب في هذه الجهة (الشرقية) تحديدا خشية أن تزيل معالم التاريخ والجغرافيا التي تشكلت عبر التاريخ.

مشيرا إلى أن هذه المنطقة فيها مكان مولد الرسول سيدنا محمد عليه الصلاة السلام وهو اليوم مكتبة مكة المكرمة وكذلك تعتبر هذه المنطقة مهمة في تاريخ سرد السيرة النبوية ففيها ولادة وحياة وتربية سيدنا محمد وفيها تم حصار بني هاشم، ونخشى من إقامة مصاطب مكانها وهذا سيسبب صداعا عالميا وإسلاميا بلادنا في غنى عنه.
وخلص د. برقة إلى القول: إننا في مبادرة معاد نرى أن يكتفى بالمصاطب الشمالية وإذا كان ولابد منها في الجهة الشرقية، فالأمل أن لا تتمدد هذه المصاطب إلى داخل شعب بني هاشم ويجب أن يتم المحافظة على المكان كموقع له مكانته لاسيما وأن مشروع الملك عبدالله للتراث الحضاري ينصّ على ضرورة المحافظة على مواقع التاريخ الإسلامي.

كما نطالب بضرورة إزالة الحمامات القريبة من المروة لقربها من بيت السيدة خديجة البيت الذي عاش فيه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم 28 سنة وإزالة هذه المرافق ستخفف الضغط، واتهام بلادنا جورا، بأنها لا تهتم بالعناية بالآثار النبوية في أم القرى.



الماكيت الشامل للتوسعة قبل إضافة الساحات والمصطبات الشمالية والشرقية في المشروع.

م. مستشار جمال شقدار

تذويب الهوية

م. مستشار جمال يوسف شقدار مدير عام التخطيط والدراسات في هيئة تطوير مكة المكرمة والمشاعر المقدسة رصد ملاحظات على تصاميم مشروع تطوير مصاطب الساحات الشمالية للحرم المكي الشريف لخصها في قوله: "مع تقديرنا لاجتهاد فريق وزارة التعليم العالي وزملاؤهم المساهمون في التصاميم الحالية لمصاطب الساحات الشمالية التي غلبت عليها "الروح النمطية المعمارية" فأصبحت "رتيبة" الشكل والمضمون ولا تكاد تمت بصلة للطابع المعماري المكي".

أضاف: قد تكون مشاركة جهات ذات العلاقة بإعادة الهوية المكية مثل هيئة تطوير مكة المكرمة والمشاعر المقدسة وأمانة العاصمة المقدسة ومجموعة "معاد" في عملية تصميم المصاطب دور مهم في تعزيز الهوية العمرانية لمكة المكرمة، ولنؤكد للعالم أجمع أن المسئولين عن الحرم المكي الشريف ومكة المكرمة بلد الله الحرام قادرون وجادون في الحفاظ على تراثها العمراني وعودة الروحانية والطمأنينة لجنباتها".

ويؤكد م. شقدار وهو عضو في مبادرة "معاد" إن مواليد الستينات ميلادية كانوا هم آخر جيل تذوق "الهوية المكية" بمجالاتها الاجتماعية والفنية والعمرانية والبيئي. فرائحة زهور "شجرة النيم" العطرة التي اختفت اليوم من طرقات مكة كانت ترجع لهم ذكريات فصول الربيع المكي، و "الرواشين" التي كانت بمثابة برج مراقبة للأمهات يتابعن من خلالها تفاصيل الحياة اليومية اختفت أيضاً وأصبحت في "خبر كان".
وقال: للأسف اليوم اختفت غالب مفردات "الهوية المكية" من المجتمع ، وأصبحت صورتها الذهنية بعيدة عن شباب مكة وشاباتها وهم بعيدون عنها، وبالكاد يعرف أحدهم شيئاً عن حارات مكة القديمة التي تمت إزالتها تماما لصالح توسعة الحرم المكي وساحاته والمشروعات المحيطة به.
ومن هنا جاءت فكرة مشروع "مبادرة معاد" لتطوير "مصاطب الساحات الشمالية" للحرم المكي الشريف لتأخذ "صبغة" الهوية المكية وحتى تعيد مسميات الحارات القديمة وتكسبها بعض خصائصها العمرانية والخدمية التجارية والبيئية التي اشتهرت بها قديما .. بل وإعادة مفرداتها المعمارية المكية مثل "الرواشين" لتزدان بها واجهات المصاطب و"الشوابير" لتكون جزء من سترة الأسطح المخصصة كمصليات مفتوحة يتابع فيها الأهالي والزوار صلواتهم خلف إمام الحرم المكي الشريف.

وبجعل المرافق والخدمات التجارية والإدارية في المصاطب تحاكي بتنوعها وبأسلوب تصميمها نماذج الحارات المكية القديمة نكون قد عززنا بعض مفردات الهوية المكية للمنطقة المحيطة بالحرم المكي الشريف في الشكل والمضمون من خلال تنفيذ مشروع "مبادرة معاد لتطوير مصاطب الساحات الشمالية" ..
وسيكون مجرد تجول الزوار والأهالي في حارات مكة الجديدة / القديمة ضمن مصاطب الساحات الشمالية للحرم، وهم متمتعين بشذى زهور أشجار النيم المكية المغروسة في جنباتها. إن مجرد هذا التجوال سيكون إحياء للهوية المكية "المفقودة" في النفوس وإعادة لها بقوة وبمنهجية التنمية العمرانية المستدامة.

الجزء الأعلى تصاميم مجموعة بن لادن وتحت معالجة مبادرة معاد له بتفاصيل من العمارة المكية
 
م. أنس محمد صالح صيرفي
 
الشرق روحانية مكة!

من جهته قال المهندس أنس محمد صالح صيرفي رئيس مجلس إدارة مكتب الأبنية للاستشارات الهندسية في جدة: "الساحات الشرقية للمسجد الحرام وبما تضم معالم نبوية وتاريخية تعد هي الأكثر ثراء من بين الجهات الأخرى وشهدت جوانبها محور حياة رسولنا الأعظم بدأ بمولده الشريف وإقامته بدار السيدة خديجة بنت خويلد الذي انتقل إليه بعد زواجه منها، ومكان مولد السيدة فاطمة الزهراء فيها، وموطن ديار بني هاشم في الشعب الذي عرف باسمهم وشهد حصار قريش لهم فيه.

وكذلك الشارع الأعظم المعروف بمسيل وادي إبراهيم الذي شهد خطى الرسول صلى الله عليه وسلم إلى غار حراء حتى نزول سيدنا جبريل عليه بالنبوة والقران وهو طريق دخوله إلى مكة يوم الفتح وحمل لوائه وفيه غز رايته وعلى ترابه الطاهر خط طريقه للباب الذي يحمل اسمه بالمسجد الحرام".

وزاد: كل هذه المعالم والتاريخ الحافل بالأحداث والوعي المتصاعد نحو المحافظة على تراث المنطقة الحضاري يحتم التعامل الخاص معها. وبخاصة وهي تشهد اليوم مشروع توسعة الملك عبدالله بن عبدالعزيز للحرم المكي والساحات المحيطة به وحزمة من مشاريع النقل والخدمات العامة فالأمل في أن لا تفقد منطقة الساحات والمصطات الشرقية هويتها التاريخية في خضم تلك التوسعات والمشاريع التنموية بل هي فرصة للإبداع في المواءمة بينهما".

وقال: "أتمنى أن يؤخذ كنموذج لما يمكن أن يتم تطوير المناطق المنزوعة التالية للمصاطب الحالية أو الساحات الشرقية التي شرع للتو في تصميمها وبخاصة أن منطقتها تعتبر شعب بني هاشم الذي ولد وعاش فيه رسولنا الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم  وتجسيد حدوده وإعطاءه نمطا عمرانيا يميزه ويحفظ تاريخه ومعالمه، وقد يكون له صدى أكبر".

مساحات المصطبات وقياساتها كما بدت في المخطط الشامل لتطوير المنطقة الشمالية والشرقية
 
قيم مضافة للمشروع
وكشف المهندس صيرفي أن مكتبه ساهم مع مجموعة مبادرة معاد لتعزيز الهوية المكية، بطرح عدد من الأفكار واقتراح الحلول الكفيلة بالجمع بينهما. وبين بقوله "تشرف مكتب الأبنية للاستشارات الهندسية بترجمتها وعرضها عبر مشاريع عمرانية تستوعب الجديد وتحافظ على القديم وقابلة للتنفيذ".

وحول الرؤية التي سعى مكتب الأبنية إلى تحقيقها من خلال التعديلات المقترحة على التصميم الأصلي الخاص بمصطبات الساحات الشرقية للتوسعة كقيم مضافة مع مراعاتها للتصاميم الرئيسة التي وضعها منفذ المشروع، قال: "هي في أساسها تنطلق من مبدأ أرساه المغفور له بإذن الله الملك فيصل بن عبدالعزيز عندما أمر بالمحافظة على الرواق القديم للحرم وأبوابه التاريخية كبابي السلام والصفا، وما أكد عليه خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز حين اعتماده حفظه الله لمشروع التوسعة وتوجيهه الكريم بالمحافظة على الروحانية والتي نراها في مبادرة معاد، كلمة جامعة لا تتوقف عند الأماكن والأسماء بل تتعداها إلى أسلوب التعامل في شتى مناحي الحياة الاجتماعية والاقتصادية والعمرانية والتي تشكل هوية مكة التي تنفرد بها على مرّ السنين".

أضاف: تأتي أهمية إعطاء هذا القطاع من التوسعة سمة خاصة لتعكس العمق التاريخي للمنطقة ولتجنب التكرار والتماثل في الشكل مع قطاعات التوسعة بعضها مع البعض الآخر فتسهل الاستدلال في تنظيم حركة الحشود من وإلى الحرم عبر تنوع الأشكال والمعالم البارزة التي يمكن من خلالها أيضا استعادة أنماط من مفردات العمارة المكية الأصيلة المعروفة و مآذن الحرم بتصاميمها القديمة الفريدة واستعادة روح الحارات المكية الراسخة في الذاكرة المكية وتعويضها بإطلاق مسميات الأحياء العتيقة على أجزاء من المصطبات وإحياء أشكال الأبواب و المنائر القديمة ودمجها في الرؤية الجديدة للمصطبات الساحة الشرقية.

وأكد م. أنس صيرفي أن إعادة تشكيل كتل المصاطب بحيث تأخذ تكوين شعب بني هاشم التاريخي في الاعتبار، سيسهم ليس فقط في المحافظة على معالم الشعب التاريخي ولكن في كسر الشكل النمطي الهندسي الدائري للتوسعة والاقتراب أكثر وأكثر إلى الهوية العمرانية المتناغمة في شكلها العام رغم التنوع والاختلاف على مستوى التفاصيل بخلاف التصميم المعتمد ونكون بهذا حافظنا على الوظيفة المستهدفة للمشروع مع إخراجها في صيغة تضيف لها بعدا تاريخيا يعكس روحانية المكان ويستعيد عبق ذكرياته الجميلة.
 
إطار 1

د. عبدالوهاب أبو سليمان يقدم رؤية شرعية لتطوير موقع المولد النبوي

كتاب مكتبة مكة قديما وحديثا

أ. د عبدالوهاب أبو سليمان عضو هيئة كبار العلماء

 
لا يمكن فهم استلام مجموعة بن لادن السعودية لموقع مكة النبوية (شعب بني هاشم) الذي عاش فيه النبي محمد صلى الله عليه وسلم 53 عاما قبل هجرته إلى المدينة النبوية لتعمل فيها مشاريع (المصطبات والساحات الشرقية) لا تقوم على احترام تاريخية المكان وأهميته في السيرة النبوية الشريفة، بل عمدت إلى تغيير جغرافيته بقص الشعاب وإزالة كلّ ما عليها من مواقع نبوية وتاريخية من دون وجود لجنة شرعية وعلمية متخصصة، تشرف على أعمال تنفيذ هذه المشروعات التطويرية، من دون سلخ تاريخها والتعامل معها بما يليق من عناية واهتمام ورعاية.
وفي غياب مثل هذه اللجنة الشرعية والعلمية، لا يمكن افتراض أن مجموعة بن لادن السعودية بما فيها من خبراء ومخططين ومهندسين لم يطلعوا قطّ على كتاب شهير وفريد في بابه طبع في العام 1416 هـ تحت عنوان (مكتبة مكة المكرمة قديما وحديثا، دراسة موجزة لموقعها وتاريخيها وأدواتها ومجموعاتها) وأعيد طبعه في العام 2012م الذي وضع فيه خاتمة ضافية تبين رؤيته ومقترحات تخص تطوير مكتبة مكة المكرمة.
يقول العلامة د. عبدالوهاب بن إبراهيم أبو سليمان عضو هيئة كبار العلماء مؤلف الكتاب إن دواعي طباعته مرة أخرى جاء استجابة لإلحاح المتعطشين إلى معرفة تاريخ هذا المكان المبارك ماضيا، وما عليه حاضرا، وما يخطط له مستقبلا في خضم التغيير الشامل لمكة القديمة.
مضيفا: أنه تم تطوير هذه المنطقة بعد توسعة الحرم الشريف الأولى عام 1375هـ حيث كانت البداية، ثم تبع ذلك تطورات، وتغييرات لتخطيط المنطقة بصورة كلية، أجهز على المتبقي من القديم منها عام 1416هـ ، وما بعده فقد شاهدت السنون بعد هذا تغييرا شاملا لهذه المنطقة التي تعتبر المنطقة التاريخية الإسلامية الأولى؛ فمن ثم أصبح من الواجب وصف محيط المكان في وضعه السابق، والحالي، وتزويده بالخرائط، والصور ما أمكن، حتى لا تلتبس المعالم التاريخية على الأجيال القادمة في خضم هذا التغيير الذي تشهده مكة المكرمة عموما.
وشدد العلامة أبا سليمان في مقدمة الطبعة الثانية للكتاب على القول "أما مستقبل هذا المكان التاريخي الشريف في خضم هذا التغيير الواسع للمنطقة فإن الأمل معقود بالله عز وجل، ثم بولاة أمر هذه البلاد الإبقاء عليه أثرا خالدا، تعيه الأجيال القادمة للوقوف على بداية تاريخ الرسالة المحمدية، وجعله منارة علمية معرفية تتناسب وتاريخ بداياته العظيمة، كما حافظ عليه سلف الأمة؛ حيث يأتي الملك عبدالعزيز آل سعود رحمه الله في السلسلة المباركة لولاة مكة المكرمة الذين حافظوا عليه أثرا إسلاميا خالدا".
وأفرد العلامة أبو سليمان خاتمة جديدة ألحقها للطبعة الثانية (2012م) لخص فيها رؤيته لضرورة المحافظة على الموقع استعرضها في إحدى وعشرين سببا ضافيا. محذرا من أنه ليس من الحكمة إزالة مكان ولادة النبي صلى الله عليه وسلم، فإزالته إزالة لأعظم الشواهد التاريخ الإسلامي، وجرح لمشاعر المسلمين قاطبة، وإثارة بلبلة فكرية بين جموع المسلمين، وسيكون لهذا العمل آثاره السيئة حاضرا، وسبة تاريخية تتناقلها الأجيال، ورحم الله القائل (صديقك من صدقك لا من صدقك).
  وختم بقوله: إن الآمال معقودة في الله عز وجل ثم في غيرة خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز آل سعود أن تنال هذه المكتبة في عهده عناية خاصة، يشعر منها المسلمون في جميع بقاع الدنيا الرغبة الحقيقية في الحفاظ على تراث الأمة، وصيانته من الضياع".
 
إطار رقم 2
أعمال القص الهائل في جانب من جبل قعيقعان لعمل المصطبات الخاصة بالتوسعة (نت)

إغراق قوقل ويوتيوب بصور ومقاطع تصميم مشاريع التوسعة تثير الأسئلة!

مكة وادٍ غير ذي زرع، لكن جبالها، المحيطة ببيت الله العتيق، تتحول يوما بعد آخر إلى مصطبات ومدارج دائرية الشكل، لتزرع ساحاتها وأروقتها بالمصلين وضيوف الرحمن، وتنشأ فيها وتحتها مباني الخدمات العامة للمسجد الحرام، وربطها بجسور وممرات تنتهي بصحن الطواف المتكرر. وهي ابتداء ونهاية خارج وخلف مبنى التوسعة الجديدة.
لابد هنا من الإشارة إلى ملاحظة عابرة تتعلق بتصاميم توسعة الحرم المكي بالتحديد. فخلال الأعوام الأخيرة شهدت محركات البحث حملة إغراق وبمئات التصاميم والصور للشكل المتوقع للتوسعة المنتظرة، وتم ضخ عشرات المقاطع والأفلام المخصصة لمخططات التوسعة عبر "يوتيوب"، الأمر الذي ترك المتابعين في حيرة وعدم يقين عن التصميم المعتمد والرسمي للشكل النهائي، من الجهات المختصة.
في عشية وضع حجر الأساس يوم السبت 20 أغسطس 2011م الموافق 20 / رمضان 1432هـ بث التلفزيون السعودي وعبر قناته الأولى فيلما وثائقيا أستعرض المشاريع التطويرية لتوسعة الحرم المكي الشريف والتي سيتم إنشاءها خلال سنتين من تاريخ وضع حجر الأساس.
وبحسب الفلم التعريفي بالمشروع فإن " المصاطب شكلت بستة مستويات متدرجة تتماشى مع الطبيعة الطبوغرافية للجبال المحيطة بالمنطقة يستعمل سطحها ساحات إضافية للمصلين، وتم تأمين في أسفلها دورات مياه، ومواضئ، إضافة إلى متطلبات الخدمات التشغيلية والإدارية".
 
 
موضوعات سابقة عن مكتبة مكة المكرمة (موقع المولد النبوي).
1) وأخيرا .. تطوير مبنى المولد النبوي الشريف في مكة!
2) جولة ميدانية لتوثيق معالم وأمكنة مسار جيش النبي لفتح مكة من مسجد الفتح الى بئر طوى.
 
 

الثلاثاء، 26 أغسطس 2014

دراسة عقدية تطالب بعزل حجرات النبي في المسجد النبوي!


تمهيد هام:
عزيزي القارئ هنا نسخة كاملة من دراسة عزل حجرات النبي في مجلة في محك البحث قوقل للإطلاع.
وهنا معلومات كاملة عن المجلة العلمية المحكمة كما نشر في خبر لصحيفة الجزيرة.

نسخة إليكترونية للعدد الأول من المجلة العلمية المحكمة الصادرة عن  الشريفين.






في أول عدد لمجلة علمية محكمة تصدرها الرئاسة:


دراسة عقدية تطالب بعزل حجرات النبي في المسجد النبوي!

غلاف العدد الأول من المجلة العلمية المحكمة






مكة المكرمة: عمر المضواحي

طالب باحث أكاديمي بإخراج وعزل حجرات النبي صلى الله عليه وسلم من حرم المسجد النبوي الشريف، كونه أتخذ ذريعة عند المخالفين لبناء المساجد على القبور والأضرحة. وفصلها بجدار يصل ما بين شرقي الحجرة مع شمالها إلى ما يسمى بدكة أهل الصُفّة حتى تكون الحجرة خارج المسجد الذي يصلي فيه.

وأستعرض الدكتور علي بن عبدالعزيز الشبل عضو هيئة التدريس في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية في الرياض في دراسة جاءت تحت عنوان " عمارة مسجد النبي عليه السلام ودخول الحجرات فيه دراسة عقدية" تاريخ عمارة المسجد النبوي إبتداءً من عمارة الوليد بن عبدالملك الخليفة الأموي في آخر المائة الأولى الهجرية وما بعدها. وقال إن هذا البحث جاء استقراء لهذه العمارة فما بعدها من العمارات على مدى التاريخ.

وشدد د. علي الشبل التنبيه على المآخذ العقدية التي قامت بإدخال حجرات أمهات المؤمنين إلى المسجد ومنها حجرة أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها المشتملة على قبر النبي صلى الله عليه وسلم وقبر صاحبيه أبي بكر وعمر رضي الله عنهما وكذا المبالغة في تشييد بناء المسجد وزخرفته مشابهة لأهل الكتاب. مؤكدا أن موقف التابعين من عمارة الوليد كان النكارة وعدم الرضى بهذا الصنيع.

 وخلصت الدراسة التي نشرت في 61 صفحة في أول عدد من المجلة العلمية المحكمة (جمادى الأولى 1435هـ) إلى خمس توصيات ومقترحات شملت أيضا، المطالبة بهدم الجدار القبلي (العثماني المجيدي) وتوسيع مقدمة المسجد إلى الجنوب، وطمس الأبيات الشعرية من قصائد المدح المكتوبة في محيط الحجرة وعلى الاسطوانات وعدم تجديدها بالرخام الحديث حماية لجناب التوحيد، ودرءا لشرّ الشرك والتوسل والاستغاثة بالرسول صلى الله عليه وسلم في مقبرة وهو ميت. إلى جانب طمس أسماء الصحابة والأئمة الاثني عشرة جميعهم من الحصوتين دفعا للمفاسد المترتبة على وجودها، وكذلك عدم تجديد طلاء القبة الخضراء وإزالة النحاس الذي عليها كحد أدنى.

وختم الباحث توصياته بالمطالبة بتشكيل لجنة متخصصة من أهل العلم المعروفين بسلامة المعتقد وصدق التوحيد لدراسة حاجة المسجد النبوي الشريف وتتبع ما فيه من البدع المحدثات ذات الخطر على الدين والعقيدة، ومتابعة منفذ مشروع توسعة خادم الحرمين في تجديداته داخل المسجد المجيدي وفي التوسعة الجديدة.
م. عبدالحق بشير العقبي
 
في المقابل أوجز المهندس عبدالحق بن بشير العقبي الباحث في تاريخ المدينة المنورة والخبير في العمارة الإسلامية رده على توصيات دراسة د. علي بن عبدالعزيز الشبل بالقول" أن التوصيات تؤكد عدم إلمام الكاتب بأبسط معارف تاريخ المسجد النبوي الموجودة للعيان في شواهد البناء العثماني. مشيرا إلى أن هذه الشواهد توضح المواقع الشرعية وفق اجتهاد الفقهاء في تحديد موضع الروضة على مختلف الآراء و منها الرأي القائل بأن آخر حدود بيوت النبي صلى الله عليه و سلم تابعة للروضة؛ لذلك ميزوها بالأسطوانات البيضاء التي تمتد إلى نهاية الحجرة جهة الشرق.

وأكد م. العقبي أن جدار القبلة الحالي هو الحد النهائي الذي وقف عنده سيدنا عثمان (رضي الله عنه) فلم يتجاوزه، و لم يتجاوزه كل من جاء بعده حتى يومنا هذا بما فيهم الفاطميين الرافضة و لو أنهم وجدوا سبيلاً لإزالته لفعلوه ، لأن هذا الجدار و المحراب العثماني ينتهيان عند حجرة (أم المؤمنين) السيدة صفية رضي الله عنها, وهذه نهاية حدود الحجرات.

يذكر أن المجلة العلمية المحكمة تصدر عن مركز البحث العلمي وإحياء التراث الإسلامي التابع للرئاسة العامة لشؤون المسجد الحرام والمسجد النبوي وهي مجلة دورية تصدر كل أربعة أشهر. وتعنى بالأبحاث والدراسات المتعلقة بالحرمين الشريفين.
 
صفحة محتويات العدد الاول
صفحة توصيات الدراسة العقدية رقم 1 من 3
صفحة التوصيات رقم 2 من 3

صفحة التوصيات رقم 3 من 3
 

السبت، 9 أغسطس 2014

عبدالرحمن الراشد: قفاز الحرير... المملوء دوما بالمسامير!

(بروفايل صحافي خاص بالمدونة)


عبدالرحمن الراشد في حفل توقيع شراء مجموعة mbc حقوق بث كبرى المسابقات الرياضية السعودية لكرة القدم 
يقف الى يمين رئيس الاتحاد السعودي د. أحمد عيد (المصدر: إنترنت)

جدة: عمر المضواحي


أول أمس الخميس، ظهر أمام عدسات الكاميرا والفلاشات الفضية، بثوب ناصع وغترة بيضاء وبوجه حليق معجون بماء الرضا والبراءة. يتنفس هدوءا، ويزفر تهذيبا، وعلى محياه كعادته دوما ابتسامة طفل شقي!.

لم يكن ظهور عبدالرحمن الراشد مدير عام قناة العربية في حفل مراسم توقيع شراء مجموعة MBC لحقوق نقل المسابقات الرياضية السعودية أمس في الرياض عاديا، أو مبررا لولا أن للرجل دور فعال (خلف الكواليس كعادته) في إتمام الصفقة الكبيرة التي تقضي بدفع مجموعة MBC مليون ريال يوميا لصالح صندوق الاتحاد السعودي لكرة القدم، ولعشر سنوات قادمة.

لم تكن قنوات التلفزيون السعودي "الرياضية" أول ولا آخر ضحايا قفازه الحريري المحشو دوما بالمسامير!. المثير هنا، أن ضربته هذه المرة لم تسقط ضحية واحدة فقط، بل كانت من القوة بمكان، أنها أطاحت بسلة رؤوس مختلفة الأوزان من الثقيل، الى الريشة؛ مجموعة روتانا، وأوربت، ولاين سبورت الذين تحطمت آمالهم معا على الحلبة.

من ينسى ضربة قفاز الراشد الخطافية والقاضية للقناة الاقتصادية CNBC العربية في مطلع الألفية الثالثة؟. ومن لم ولا يتابع ــــ حتى اليوم وغدا ــــ جولات وصولات أكبر معاركه اليومية مع منافسه الشرس قناة الجزيرة؟.

لا بد من تلخيص بسيط هنا يوضح مناخ المجال الرياضي في المنطقة. كانت ولا تزال بطولات الدوري السعودي الكبرى هي بيضة القبان للرياضة الخليجية والعربية. كانت قناة الجزيرة تمنى النفس بالحصول على هذه الدجاجة التي تبيض ذهبا، مهما كلف الأمر. خاصة وأن مجموعة ART المملوكة لشاهبندر التجار صالح كامل حصلت على حقوق بث الدوري السعودي لثلاث سنوات،  لكن توجه الجزيرة السياسي ومنهجها المضاد للمملكة شكل عائقا يجعل من مجرد التفكير في الأمر دونه خرط القتاد.

 كانت مجموعة أوربت، والقنوات الرياضية لتلفزيون أبو ظبي وإمارة دبي، تسعيان أيضا للحصول على هذه الدجاجة منذ سنوات، لحقت أخيرا قنوات إن سبورت للدخول في هذا السباق بلا أمل كبير.

منذ أعوام، تسربت أنباء عن عزم العربية على استحداث قناة رياضية في مجموعة MBC وظهرت لمسات تشير إلى أن عبدالرحمن الراشد يقف خلف فكرة هذه  القناة. المعلومات هنا غير مؤكدة، رغم أنها من مصادر مطلعة. لكن، تأكد حينها أن الذئب لا يركض عبثا، وأن ثمة ضحية قادمة ستلقي على حلبة الملاكمة منديلها الأبيض لا محالة، وهو ما كان.

ربما توهم المراقبون أن الأحداث السياسية المتلاحقة في المنطقة ستلقي بظلالها على فكرة القناة الرياضية، وأنها ستؤجل الولادة المنتظرة، بعد أن تمخضت MBC قبلها وأنجبت قناة "الحدث"، كطفل خديج. لكن المتابعين كانوا يراقبون على الدوام الحمل الصحيح، لقناة رياضية منتظرة ـــ لا مجموعة قنوات كما ظهر مؤخرا ـــ وأن الطفل المنتظر لازال يتخلق في ظلمات رحم المجموعة من دون أن يقدر أحد متى موعد سماع صرخة الولادة وخروج المولود الجديد إلى الحياة، حتى سمع الجميع رسميا صرخة الحياة يوم الخميس السابع من أغسطس الجاري.

قصة الراشد مع قناة CNBC العربية أشهر من أن يشار إليها. كانت القناة الاقتصادية تسحب بساط وعيون المشاهدين من كل الفضائيات بهدوء بفضل قدرتها المميزة على تغطية ومتابعة تداول سوق الأسهم السعودي لحظة بلحظة. كانت شاشتها بحق هي سيدة الشاشات الفضائية في فترتي الصباح وبعد الظهيرة.

لم يرق الأمر له ولا لمجلس إدارة المجموعة أيضا. ولا يعلم إلا الله والراسخون في العلم ماذا فعل الراشد وماذا خطط وكيف دبر الأمر. أثبت أنه الفتى الذهبي الذي يعرف من أين تؤكل الكتف الفضائية. وفجأة سدد بقبضته الحريرية لكمة المسامير القاضية. ترنحت فورا CNBC بمجرد ظهور كل وجوهها "صبا عودة، نادين هاني و لارا حبيب" وهم حينئذ أهم رموز ضحيته، وكرس حضورهم طوال ساعات التداول الصباحية على شاشة العربية.

وطفق عبدالرحمن، يخصم ويحذف كل برنامج صباحي آخر، بلا رحمة أو عاطفة أو تسامح. هيأ المسرح للنجوم الجدد، وفسح المجال للغة الاقتصاد والبنكنوت التي يعشقها. لقد قرر الراشد أن يوصي بشراء "الجمل بما حمل"، وسرعان ما حصل على حزام البطولة والمشاهدة معا!.

الانخراط في خدمة بلاط الصحافة السعودية في الداخل والخارج معا، يشبه إلى حد كبير العمل كمهندس شبكات كهربائية. خطأ واحد، بقصد أو بدونه، لا يلبث الصحافي بعده أن يجد نفسه مصعوقا، خارج حيز الزمان والمكان، تتصاعد من أطرافه أبخرة الاحتراق والفناء.

على مدى ثلاثة عقود ظل عبد الرحمن الراشد، مدير عام قناة العربية، يرتقي صعودا كل سلم ينصب أمامه، بلا كلل أو ملل ليتم مهمة نشر عناقيد القناديل الملونة، ومصابيح أعمدة الإنارة، ليضيء دروب وتلافيف زوايا شارع الصحافة في السعودية.

هذا الشارع كان ولا زال مرتاديه في أمس الحاجة إلى كل قبس من نور يحمل بصمة هذا المهندس الذي أبيض شعره، كراهب منقطع، في خدمة النور الإعلامي لبلده الكبير.

في مجلة أو جريدة أو قناة، كان عبدالرحمن الراشد صحافيا نسيج وحده. لا يخلو جسمه النحيل من عبقرية تجري في دمه محملة بـ كروزومات الدهاء، وخلايا المكر، وصفائح القدرة على اللعب بالبيضة والحجر معا.

كان دوما وأبدا الخيار الأول والأخير عند رؤسائه وأعضاء مجلس الإدارة. فإذا ما حزب الأمر، وحانت لحظة الاختيار، كان عبدالرحمن هو السهم المعلى في الولاء، والورقة الرابحة في العطاء، والجوكر الذي لا يخيب أصابع حامله أبدا.

كانوا يعلمون أن لكل عبقري يفري فريه ضريبة باهظة، وكانت ضريبته على الدوام، أقل شأنا من أن تذكر. فهو صنف نادر ينطبق عليه القول (ما خف وزنه، وغلا ثمنه). تتقاطع في موهبته كل متناقضات العبقرية، فهو يملك القدرة على إشعال أكبر الحرائق في أثواب وساحات خصوم مبادئه وقناعاته، وهم كثر.

لا يجيد أحد قدرته الفريدة في كتابة الجملة الصحافية القصيرة، ولا قدرة التقاط أفكار مقالاته السياسية وتأثيرها، إنها بحق تماثل قدرة كتيبة مدفعية وراجمة صواريخ لا ترحم. وبعد أن ينهي مهمة كتابة مقاله في أقل من 500 كلمة، تجده دوما، في مزاج رائق واضعا قدما على الأخرى، بوجه معجون بماء الرضا والبراءة. يتنفس هدوءا، ويزفر تهذيبا، وعلى محياه دوما ابتسامة طفل شقي!.

محبوه لم يرصدوا له طوال تاريخه المهني، سوى هفوات معدودة، يرونها شاذة تؤكد رسوخ إيمانهم في قاعدة قدراته الخارقة. وكان عبدالرحمن الراشد يقدم دوما الدرس تلو الآخر لنظرائه، متحملا كامل المسئولية، ولا يجد في نفسه غضاضة من تقديم استقالته، ثمنا لأي خطأ وقعت فيه قناة العربية، وآخرها في نهاية العام 2010 قبل أن يتم رفضها وتجديد الثقة به، مرة أخرى.

في المقابل، يراه خصومه على الدوام، أنه مخلب الشيطان، وعين الغول التي تسبر أغوار خفايا أنفسهم، ورأس التنين الشرير الذي ينفخ النار في وجه مخططاتهم، وأن كل حرف يكتبه، أو لقطة يبثها، تعري وجوه هواجسهم من أقنعتها، وتؤذيها ألما حتى العظم.

ومع ذلك، يشهد تاريخ عبدالرحمن الراشد أنه كان دوما يقفز من بين الأسلاك العارية، وأبراج الضغط العال، بمرونة تثير مشاعر الغبطة والإعجاب، وربما حسد كثير من رفاق المهنة في الداخل والخارج. وكانت رشاقته توغر صدور كارهيه بسخائم الحنق ومطارق الغيظ، ويصبرون أنفسهم دوما بأمنية واحدة؛ حركة خاطئة منتظرة، لينصبوا له بعدها حفلة شواء على سفود من النار والشنار، ليركلوا الأرض حول قيوده ويولولون بغطاريف النصر وصرخات التشفي، كقبيلة من آكلة لحوم البشر!.

من النادر أن يدلي الراشد بدلوه في بئر احباطات الصحافة المحلية الجاف. شعاره دوما " أنا رب إبلي...". وكان على الدوام كجمّال حذق، وسايساً ماهرا يعرف قراءة الكثبان العالية، ونقاط كسر هبوب عواصف الصحراء، ليصل بقافلته إلى برّ خمائل الواحات الخضراء، حيث الخصب والأمان.

لم يجاهر قط بوضعية الهجوم، ولا يميل إلى قذف القفازات في وجه الخصوم. يروقه دوما، وهذا سرّ قوته، أن لا يفقد زمام السيطرة وقيادة الموقف. وعندما يشتد حمى الوطيس، ويضطر للدفاع عن حماه المقدس يبدوا قاسيا كقرن وعل، ويسدد ضرباته القاتلة بقفاز من حرير، لكنه محشوا دوما بالمسامير.

ولله والتاريخ، كان عبدالرحمن الراشد من أوائل الصحافيين السعوديين الذين قرأوا بعمق الخط الإصلاحي الذي رسمه الملك عبدالله بن عبدالعزيز منذ تسلمه دفة قيادة البلاد في العام 2005م. ومنذ اللحظة الأولى أعتمد في إدارته لسياسة تحرير قناة "العربية" على تطبيق رغبة القيادة السعودية في الانفتاح على الآخر، وجاهد كصحافي حق الجهاد في أن تبدو المملكة وذراعها الإعلامي الفضائي منفتحة، هي أيضا، مع نفسها ومع الآخرين.

يقول عمر الأنصاري وهو صحافي إعلامي عمل لسنوات في مدينة دبي الإعلامية " إن عبدالرحمن الراشد أشاع روحا من الثقة داخل فريق العمل في قناة العربية، وأن جميع موظفيها يعلمون أن قائدهم ليس رجلا منفتحا وحسب، بل هو مؤمن بذلك كعقيدة".

أضاف: " دائما ما كان يردد الراشد على مسامع الجميع أنه لابد من دفع فواتير سياسة الانفتاح، وأنه لا مناص من الاستمرار في محاورة الآخرين". وزاد: "كان هاتفه النقال لا يهدأ أبدا من تلقي سيل الاتصالات، والرد على كل شاردة أو واردة من محتويات برامج القناة، وكان يتحمل السياط من كل حدب وصوب بصبر المؤمن بقناعته، والرد عليها بهدوء وثقة ومودة، برغم آلامه النفسية".

في الربع الأول من العام 2004 ومع أول خطوة قادته إلى داخل عرين قناة العربية، ركز عبدالرحمن الراشد على لملمة شتات توجهات الفضائية الإخبارية الجديدة. وقام يما يشبه محاولة انتحارية لتحويل أبصار الناطقين بالعربية إلى شاشته الجديدة.

وجد أنه من الناجع فتح المايك وشاشة البث أمام جميع الأطراف المعنية في عناوين الأخبار. وجاهد بصلابة لاعتناق خط السياسة الخارجية لبلاده، والنأي بقناته عن تبني أو تلوين الأخبار بمؤثرات عقدية أو فكرية قدر الإمكان، برغم اتهام خصومه الدائم له بالعلمنة واللبرلة والتجديف الدائم ضد الثوابت والأصول الإسلامية.

وفي الوقت الذي احتاجت السعودية إلى إقناع 32 دولة لتحرير دولة الكويت من غزو العراق 1990، لم تحتاج الرياض إلى أكثر من عبدالرحمن الراشد، خلفا للإعلامي الأردني صالح القلاب ـ بعد عام تقريبا من إنشاء القناة في مارس 2003م ـ ليواجه غزو قناة الجزيرة التي أثخنت الجراح في الصورة الذهنية الناصعة للشقيقة الكبرى.

لم يخب الراشد حسن الظن والثقة به، وقال: هم رجال ونحن رجال؛ قناة بقناة، وشاشة بشاشة!. وسرعان ما قرأ مكامن القوة ليس في الجزيرة وحسب بل وفي القنوات المنافسة كلها، ليصنع من العربية قناة "كوكتيل" يصبها في كؤوس مشاهديه على مدار الساعة، ليشربها كل محب وكاره!..

سياسيا كانت الجزيرة القطرية منذ إنشاءها وحتى زوبعة الربيع العربي هي المسيطرة على كلّ أخضر ويابس في شارع الإعلام الفضائي العربي، واقتصاديا كانت قناة CNBC العربية المرجع الأول لكل المتعاملين في سوق الأسهم السعودية أكبر الأسواق المالية في المنطقة قاطبة، وكانت الثقافة، والفنون والبرامج الدينية، والرياضية الناجحة، كلأ متاحا لكل القنوات الفضائية التي تملأ السماوات العربية، إلى أن حسمتها الجزيرة الرياضية، وبقبضة من حديد بمجموعة BEIN SPORT.

في أواخر العام 2004 عرف الراشد أنه في حاجة إلى كوادر سعودية مؤهلة، تعينه على تنفيذ وتكريس سياسته وخططه الجديدة على مناخ وأجواء العمل داخل القناة الوليدة. وطفق يشكو مرّ الشكوى، في حوارات إعلامية قليلة، من ندرة الكفاءات والكوادر السعودية الشابة، وأنه يبحث بدأب شديد عن وجوه صحافية لمنحها الفرصة في القناة السعودية التي تبث من الخارج.

يومها وجد بعض خصومه الفرصة للرد عليه والتشفي منه، وقالوا "يداك أوكتا وفوك نفخ يا عبدالرحمن... ". وأن جفاف الكوادر الوطنية، هي حصاد ما جنت يداه في مجلة المجلة، وصحيفة الشرق الأوسط طوال نحو عشرون عاما. وسرعان ما تندروا على طلبه الغريب، ومحاولته التنصل عن جلبابه وقناعه القديم.

كانوا يتهمون الراشد دوما بأنه أحد أكبر المصانع المنتجة للمضادات الطاردة لكل كفاءة سعودية تقترب من حماه، وأنه كان حريصا، وبشراسة، على وضعها بمسافة ألفي ميل على الأقل من كرسي قيادته في شارع (فلييت إستريت) أشهر شارع للصحافة (سابقا) في العاصمة البريطانية لندن.

جاء الرد سريعا، فبعد أيام من بداية العام 2005م، أستقبل مطار دبي الدولي، طلائع الدفعة الأولى، رجالا ونساء، من الأقلام الصحافية الشابة في السعودية. وما هي إلا شهور قليلة، حتى ظهرت وجوه بملامح سعودية تغزو الشاشة ليلا ونهارا، يبحثون عن النجاح والنجومية على يد أكبر جواهرجي عرفه الإعلام التلفزيوني في السعودية.

صحيح لم يتزوج عبدالرحمن الراشد، لكنه للإنصاف والحقيقة، أنجب للساحة الصحافية والإعلامية السعودية والعربية ذرية مهنية وجيل صالح تبناها بعين العناية والاهتمام لتكون يوما قادرة على دفة قيادة المؤسسات الإعلامية والصحافية في المستقبل، وإشعال المزيد من عناقيد الضوء، وسط عتمة الإعلام السعودي، والأسماء كثيرة.

فيصل عباس وهو إعلامي سعودي يرأس اليوم فريق تحرير موقع "العربية. نت" باللغة الإنجليزية يقول: "هؤلاء يظلمون عبدالرحمن الراشد، فالمعيار الأول عند هذا الرجل هو المهنية، وليست جنسية الموظف". أضاف: في الثمانيات كانت الصحف المحلية في السعودية تستورد الصحافيين العرب من كل بلاد عربية، وكان من الصعب عليه أن "يملئ البركة بمياه سعودية في بلاد التايمز وعاصمة الضباب".

وقال: عندما انتقل عمله إلى إمارة دبي في العام 2004 أصبح أقرب من السعودية والعالم العربي، كما أن الزمان تغير أيضا، وبات هناك جيل جديد، واكب العصر وتعلم في الخارج، وأجادوا اللغات الحية، وباتوا راغبين في العمل أيضا خارج الحدود، وفي أي مكان يتيح فرصة لتطبيق ما تعلموه في تخصصات الإعلام المختلفة".

يقول عباس، وهو صحافي متخصص في رصد تطورات الإعلام السعودي أن ما يميز عبدالرحمن الراشد تعامله الاحترافي مع فريقه في القناة. تجده دائما يعاملهم كصحافيين وزملاء في المهنة، وليسوا كموظفين تحت إدارته. كما أن ما يميزه عن سائر أقرائه، أنه لا يعاني أي حساسية من نجومية غيره. ولا يحمل غيرة من أي ناجح يعمل معه. وشهد له بأنه كان يطبق وبكفاءة مقولة "أن المدير الناجح يجب أن يكون محاطا دوما بالنجوم الناجحين".
 

نجحت خطة الراشد، وبدأت أرقام الإقبال والمشاهدة تزيد يوما بعد يوم لحساب الفضائية "العربية" حسما من رصيد عيون المارد الإخباري الرابض فوق تخوم العاصمة القطرية الدوحة. غني عن القول هنا، أن المعركة لا تزال مستمرة، ويبدو إنها أطول مباراة ملاكمة في تاريخ الإعلام الفضائي العربي، واستطاع صاحب القفاز الحريري أن يرقص كفراشة، ويلسع كنحلة، ليدمي جسد المارد القطري العملاق الذي يصفه المراقبون بأن "الجزيرة" هي المهدي المنتظر للإعلام العربي، والحجر الذي حرك مياه الإعلام العربي الراكدة من المحيط إلى الخليج.

لم يحظ صحافيا سعوديا قبله، وربما بعده، بأن يقع اختيار صحيفة (نيويورك تايمز)، كبرى الصحف الأمريكية العالمية، وتقوم بإرسال صحافية محترفة، أمضت تراقب عمله وأسلوب حياته وإدارته طوال عدة أيام كاملة في مقر عمله، وخارجه، بالمدينة الإعلامية في أمارة دبي لكتابة سيرة (بروفايل) موسعة عنه.

وصفته الصحيفة بأنه الرجل الذي أمضى "ما يقرب من أربع سنوات، للوصول إلى خلطة ناجعة لعلاج فضائية عربية". وحملت القصة تفاصيل عن حياته الشخصية، ولماذا لم يتزوج إلى الآن وقد شارف على العقد الخامس من العمر. "ضحك الراشد: واستحضر اقتباسا من ياسر عرفات الذي قال يوما انه (تزوج القضية الفلسطينية)". وأضاف: "أنا متزوج من الإعلام. هذه وظيفة تستمر 24 ساعة في اليوم، 7 أيام في الأسبوع، أنا فعليا لا حياة شخصية لي".

جمال خاشقجي مدير قناة "العرب" الإخبارية الجديدة (تحت الإنشاء) في مجموعة روتانا التي يمتلكها الملياردير السعودي الأمير الوليد بن طلال يؤكد أن صديقه عبدالرحمن الراشد "عاش طوال عمره كصحافي حقيقي. لقد أستطاع أن يسمع رأي المملكة العربية السعودية في طول وعرض العالم".

أضاف خاشقجي: "كإعلاميين نحن واقعين وسط صراع ما بين تيار نهضوي إصلاحي، يواجه بتيار موهوم، مزعوم يحمله أشخاص هم صناع كوابيس، يحاولون أن يمنعوا هذه النهضة بطريقة "يحسبون أن كل صيحة عليهم". أضاف: "دائما ما ندفع الثمن لإرضاء صناع كوابيس لم يضيفوا يوما لبنة واحدة في بناء هذا الوطن".
 

لا شك أنه كان الساعد الأيمن لرجل MBC القوي الوليد بن إبراهيم في هذه الصفقة الصادمة، وتلك قصة أخرى. ولا شك أيضا، أن عبدالرحمن الراشد بدا وكأنه حصد الآن استثماره المبكر في تسعينات القرن الماضي. يومها وطدّ علاقته بشاب أنيق كان طالبا للدراسات العليا في العلوم السياسية في الولايات المتحدة، ووجد فيه حينذاك نبوغا في التفكير والكتابة، وسرعان ما خصص له صفحة كاملة في مقال أسبوعي بمجلة المجلة التي كان يرأس تحريرها آنذاك في لندن، ونجحا معا، بالأمس واليوم!.

الحق أن فراسة الراشد لم تخب أبدا كعادته، وكان كمن ينظر للمستقبل من خلف ستار شفيف. ويعتقد كثيرون أنه حصد الآن سلة ثمار ما زرع. وأن البيدر كان أكرم بكثير مما توقعه الزارع الحصيف!.

حسم الأمر الآن، وانتهت قصة أكبر صراع على الفوز بالمسابقات الرياضية السعودية. سيعود عبدالرحمن الراشد من غد إلى الكواليس، وصالة التدريب السريّة حيث يحب دوما، استعداد لحزام جديد وضحية جديدة.

ابحثوا عنه لو شئتم، قطعا لن يتحدث الآن، وربما في المستقبل أيضا.. رغم أنه يخبئ داخل قفازه الحريري كل مفاتيح الصندوق الأسود لصفقة اليوم الثالث عشر من يوليو 2014 والخميس 7 أغسطس والذي أعلن فيه فوز مجموعة MBC بحقوق نقل الدوري السعودي حصرياً لمدة 10 سنوات مقابل 3.6 مليار ريال فقط، قبل أن تطفئ أنوار الحلبة.

ربما تجدونه الآن جالسا في هدوء المنتصر دوما، على كرسي مقهى أنيق بمارينا دبي، وفي مزاج رائق واضعا قدما على أخرى، بوجه معجون بماء الرضا والبراءة. يتنفس هدوءا، ويزفر تهذيبا، وعلى محياه دوما ابتسامة طفل شقي!.