الأحد، 15 يونيو 2014

الأرجنتين.. أكثر من مجرّد كرة قدم!



 
بيونس آيرس: عمر المضواحي
بل هي أكثر من ذلك بكثير..!
وباختصار، إذا أردت تجربة رحلة سفر غنية بلذة اكتشاف عالم جديد وبعيد، فضع الأرجنتين على قائمة وجهات سفرك المفضلة.
من المستحيل تلخيص بلاد الفضة (أرجنتينا) التي وصلها المستعمر الإسباني في العام 1526م إلى أن نالت استقلالها في العام 1830م، في رحلة لم تتجاوز 9 ليال وعشرة أيام. لكنها كافية لاكتشاف بعض مكامن فتنتها وسحرها الأخاذ بدء من فنادقها الفارهة وانتهاءً بسلة خيارات سياحية تمنحك شعورا جديدا كل يوم.
تذكر دوما أنه لن يمكنك قطف وردة من دون مشاغبة شوكها الحاد. فالسفر من الرياض إلى هنا قطعة من العذاب مع 24 ساعة طيران على الأقل. لكن، وكما يقال دوما، لا حلاوة بلا نار. ستجد في استقبالك بواكير شتاء لطيف ينسيك حتما حرارة الصيف العربي اللاهب. ونهارا قصيرا يمنحك ساعات أطول للسهر والمرح في ليالي كل الأماكن العامرة بالأنس والموسيقى والحياة المتدفقة وبأسعار مناسبة لكل ميزانية.
 

بيونس آيرس
تعرف بأنها باريس أمريكا اللاتينية. الحقيقة أن هذا الوصف ضيّق على هذه المدينة التي وضعت لبناتها الأولى على النمط العمراني الإسباني في العام 1880م. فهي تلخصّ وبجدارة أكثر من مدينة عالمية، بكل معالمها وفنونها العمرانية وثقافاتها المتباينة بفضل تمازج عرقها اللاتيني واختلاطه بأصول وثقافات المهاجرين القدماء من معظم بلدان القارة الأوربية.
وبالرغم من أن الأرجنتين كانت موقعا لأعظم أدباء المهجر، ومن بينهم إيليا أبو ماضي وآخرون، وتعيش فيها جاليات عربية مهاجرة منذ عقود بعيدة استطاعت الأرجنتين أن تهضمهم بسهولة وأن تمنحهم مزايا المواطن الأصلي غير منقوصة.
يقول وليد سطام القدور وهو أمين عام الغرفة التجارية العربية الأرجنتينية "كان للمهاجرين العرب 40 مقعدا في مجلس النواب من أصل 280 مقعدا إبان حكم الرئيس السابق (السوري الأصل) كارلوس منعم". إلا أنه وبالقدر نفسه لا يعرف الأرجنتينيون شيئا عن السعودية والخليج العربي. ربما الجمال والصحراء ومدينة دبي!.
العاصمة بيونس آيرس التي اتخذت اسمها من النسيم العليل و "الرياح الطيّبة"، منظمة وأنيقة قادرة على أن تغرق مشاعرك كل لحظة بفيض من المفاجآت غير المتوقعة بين مبانيها الكلاسيكية وأبراجها العصرية. كل أربعة شوارع تنتهي بميدان متوجا بنصب تذكاري يحكي جزءا من تاريخها.
كل الطرقات فسيحة ونظيفة وخضراء دائما. وستدعوك للابتسام وأنت تشاهد جمال رسومات الجرافيك العفوية على كل جدار بعيد عن الأنظار. كما أن سكانها أوفياء للأيقونات الخالدة في تاريخهم الوطني. ستشاهد حتما وبكثرة لافتة تماثيل وصور ورسومات كاريكاتورية لمارادونا وإيفيتا بيرون وتشي جيفارا وآخرون.
 
 
نهر الفضة
تتكئ بيونس آيرس في غنج ظاهر على أعتاب نهر الفضّة (ريو دي لابلاتا) وهو أعرض نهر في الأرض (220كلم). وهو نهر كاف لكل الأنشطة البحرية التجارية والعسكرية والترفيهية للمدينة. تقول لورينا فالي وهي مرشدة سياحية أن خمس المياه العذبة في العالم موجودة في بلاد جبال الإنديز وتجري بوفرة في كل سهولها الواسعة. وأن أخصب أرض وتربة في العالم توجد في الأرجنتين.
في رحلة إلى منطقة المزارع المحيطة بشمال العاصمة كانت قطعان الأبقار بالكاد ترى وسط قصب حقول القمح والذرة. تبدو ساكنة في كسلّ باد لا ترفع رأسها عن أرض سخية بالأعلاف والمياه العذبة. من المعروف عالميا أن الأرجنتين تشتهر بألذ اللحوم الحمراء في العالم. كما أن قوائم الطعام هنا متنوعة ولذيذة وسخية جدا وبسعر مقبول.
أما طعم الفواكه والخضروات هنا فهي حكاية أخرى. التفاح لذيذ، وتكاد تملئ جيوبك بثمرات ناضجة منه كلما قابلت محلا يعرضها بطريقة جميلة. شيء واحد لم يرق للذائقة؛ المخبوزات وبأنواعها. ويبدو أن بلاد الباربيكيو والقمح لم تكتشف بعد ـ في شكل عام ـ المعادلة الصحيحة لعجينة الخبز المثالية.
 
الليل والنهار
في منتصف شهر مايو الماضي قدمت وزارة السياحة الأرجنتينية دعوة للصحافيين والإعلاميين في السعودية عبر لجنة الإعلام السياحي في الرياض لاكتشاف جانب من منتجاتها السياحية المتنوعة في العاصمة أولا، وفي مدينة كالافاتي النائية في قعر الجنوب البارد للكرة الأرضية.
كان فصل الخريف برياحه الخفيفة يلملم بقايا أوراق الشجر المتساقط بلونها الكموني الأخاذ. وخلال خمسة ليال كانت بيونس آيرس تستعد لكل مساء برشقة مطر خفيف تغسل الشوارع وتعيد البريق للإسفلت واللمعان لأعمدة الإنارة وجذوع الأشجار استعداد لخروج الأهالي لقضاء أمسيات هانئة. وللجميع مكان يليق به ويضمن له السعادة في جو آمن.
الأرجنتينيون يفضلون الخروج كل ليلة على البقاء في منازلهم. المقاهي والمطاعم ترحب بالجميع دوما على وقع الموسيقى ووشوشات المحبين في أحاديث الأمسيات الهادئة. المسارح وقاعات السينما وأندية الليل وفيرة هنا، كما أن الحدائق المضاءة تفتح ذراعيها لذوي الدخل المحدود ليلا ونهارا.
مع شروق شمس الصباح وطوال ساعات النهار تتفتح على نواصي الطرقات أكشاك بيع الورد والزهور والنباتات الجميلة، وأخرى للصحف والمجلات والكتب، وثالثة للسفونيرات والتذكارات الصغيرة أمام المقاهي ومطاعم الإفطار المشرعة الطاولات والكراسي في الهواء الطلق.
بعد كوب أو اثنين من مشروبك المفضل، لن تعدم خيارا متاحا للقيام بجولات سياحية على المتاحف والأسواق المتنوعة ومدن الملاهي والرحلات البحرية وجولات اكتشاف المدينة بالحافلات المكشوفة. البرامج السياحية هنا لا تختلف عن نظيراتها في أي وجهة سياحية عالمية. وهي متنوعة وتشمل كل شيء يخطر على بال السائح. وستجد نفسك تزاحم سير أناس ودودين فوق الأرصفة ومقاعد النقل العام المختلفة. وستلاحظ أن مسحة من الرضا والقناعة تنعكس بابتسامات لذيذة على وجوه الجميع وهم يبادرونك بكلمة بون دياس (صباح الخير).

 
عالم مجنون
الشعب الأرجنتيني يبدو متطرفا في اغتنام لحظات لذة العيش. يقف دوما على حافة كلّ شيء. ويعيش أيامه وكأنه اليوم الأخير في حياتهم. يدينون بالمسيحية، ويتبعون الكنيسة الرومانية الكاثوليكية ( وهم فخورين الآن بأن رأس الفاتيكان وبابا روما هو الأرجنتيني خورخي بيرغو غليو) ومع ذلك يجدون متعة خاصة بالحياة على أقصى خطوط التماس، ويعرفون كيف يصنعون لحظات تترنح بين العقل والجنون، الحياة والموت، اللذة والعذاب. يكفيك أن ترى هوسهم الطاغي بالرياضة والموسيقى ورقصة التانغو الشهيرة.
الجنون بعالم كرة القدم هنا قصة معروفة. من لا يعرف بلاد أنجبت مارادونا وميسي؟. في بيونس آيرس فقط 24 فريق كرة قدم. أشهرها بوكا جونيور و ريفرت بليت بالطبع الذي حاز على بطولة الدوري هذا العام.

في مباراة نهائي بطولة أندية دوري الدرجة الأولى الأرجنتيني لكرة القدم بين فريقي ريفرت بليت وكليمكس يوم الأحد 18 مايو الماضي كان الملعب يضيق بكامل سعته. سبعون ألف مجنون يرتون القمصان البيضاء والحمراء يدعمون فريق ريفر بليت المتصدر.
كان هناك نصفهم خارج أسوار الملعب ولا يملكون تذاكر النهائي الكبير، وكانوا يتصرفون بجنون وشغب واضح من أجل الدخول وتشجيع فريقهم المفضل. كانت قوات الأمن بالمرصاد ونجحت في مرور يوم تتويج بطلها بخمسة أهداف نظيفة الى برّ الأمان.
 
التانغو..
في المقابل، يمكن القول أن ثنائية الموسيقى ورقصة التانغو هي روح الأرجنتين في تلخيص بسيط!.
رقصة حبّ نبتت قديما بين أقدام فقراء من ذوي البشرة السمراء. التانغو لم تك قط ترفا للجميع (كما يحدث الآن) بقدر ما كانت سجلا يحكي جانبا من قصة السكان الأوائل مع ذلّ الجوع والخوف والحرية.
رتم حركاتها الإفعوانية السريعة لا يمكن تفسيره بغير رغبة جامحة لعاشقين قررا الهروب (روحيا) من واقعهم البائس. ربما كان شعارهم يومها أن أي أرض تسقيك كأس العبودية المؤلمة يمكنك الرقصّ عليها لتشعر ولو لوهلة بطعم الحرية!.
التانغو.. ابتداءً وفي النهاية، هي المثال الحيّ لمعنى الشراكة بين رجل وامرأة يجمعهما حب وثقة لا أكثر. وإيمانا معا أن الحياة أبدا ليست شيئا مفردا، ولا تستقيم بلا شريك يفهم سكناتك قبل حركاتك في احترام متصل.
يكفي أن تشاهد عرضا مسرحيا غنائيا راقصا لن تنساه ذاكرتك في قاعة تانغو بورتينو على ناصية ميدان 9 مايو الشهير بمسلته المصرية الشاهقة لتعرف ماذا تعني رقصة التانغو في حياة مجتمع الأرجنتين.
خلال لوحات المسرحية الغنائية الراقصة ستفهم معنى الحياة لهذا المجتمع من دون أن تخفي عنك أي تفصيل. موسيقى تحرّك كل مشاعرك العميقة لتفهم حقائق جديدة عن معنى الألم والفرح، الهدوء والشقاوة، الحب والكراهية، الجمال والبشاعة وكل شعور بالحالات الإنسانية وهي تترجم أمام ناظريك في رقص إيقاعي مبهر وجميل، قبل أن تترك وحيدا لتجيب عن لغزها الكامن: ما سرّ هذه الرقصة التي تسقيك كؤوس فرح يلامس شغاف الروح، ثم ينتكس رويدا إلى حزن يقطع نياط القلب ويدمي المشاعر؟.
 
 
سياحة واقتصاد
الحكومة الأرجنتينية التي ترأسها حاليا السيدة كريستينا إليزابيث فيرنانديز قررت المضي خطوة إلى الأمام في جذب حصة من السياح العرب خصوصا من الخليج العربي، ضمن خطة شاملة لتحسين موارد البلاد الاقتصادية بعد تعثرها في السنوات الأخيرة.
خلال العقد الماضي نهضت الأمة الأرجنتينية، وصنعت فورتها الاقتصادية، حتى باتت عملتها الرسمية (بيزو) آنذاك تقارب سعر صرف الدولار الأمريكي. وبفضل ذلك نظر إليها كواحدة من نمور أمريكا اللاتينية، وحازت عن جدارة إلى الآن مقعدا في قائمة أكبر عشرين اقتصاد في العالم. اليوم من البديهي أن تنظر إلى نتائج تلك النهضة في العمران والرفاه المتمدد والملموس على أجزاء واسعة من العاصمة على الأقل.
متوسط الأجور للموظفين هنا لا يقل عن 400 دولار شهريا، ويمكن القول أن هناك هوة ملموسة بين طبقات المجتمع من ناحية الثراء ورغد العيش خلال مشاهداتك اليومية. وعندما تتقاطع جولاتك مع الضواحي الشعبية للعاصمة وأحيائها الخلفية والفقيرة، تكاد أن تقبض قلبك من تسارع وتيرة تآكل الطبقة الوسطى لتصبح هنداً جديدة في قاع أمريكا الجنوبية.
سعر الصرف الرسمي الآن يعادل 8 بيزو أرجنتيني مقابل كل دولار أمريكي واحد. وفي السوق السوداء يمكنك صرفه مقابل 11.5 بيزو. وهذا الفارق في سعر الصرف سيجعلك تنظر إلى أن كل ما قمت بشرائه من منتجات محلية وجيدة الصنع كانت بسعر مقبول ومنافس.

كالافاتي أنف العالم
في مدينة كالافاتي الصغيرة، بمقاطعة بتاغونيا الجنوبية (3 ساعات ونصف بالطائرة) يمكنك أن تمارس كل الرياضات الشتوية اعتبارا من شهر يونيو الجاري. هذه المدينة الصغيرة التي لا يسكنها سوى 18 ألف نسمة في الصيف تكاد أن تكون على حافة الأرض. تبعد نحو 3 آلاف كم فقط عن قارة أنتاركتيكا القطبية، وبها متحف تفاعلي كبير عن عالم الجليد، وأسواق شعبية وتقليدية، وأكثر من 25 ألف غرفة فندقية لاستقبال سواح الشتاء.
في منتزه (ناشيونال بارك ديكليشرز) ستقف على واحد من أجمل مناظر الطبيعة في قول واحد. كان رفقاء الرحلة يسألون المرشدة السياحية نتاليا إسكوبار وأسنانهم تصطك من البرّد عما إذا كانت جبال الجليد الذائبة التي يشاهدونها حقيقة أم خدعة فوتوشوب. كانت تضحك وهي تجيب اخلعوا قفازاتكم لتعرفوا الحقيقة.
كانت السفينة تقترب من جبال الجليد التي تتساقط أطنان من حوافها بدوي هائل وساحر في آن على مياه البحيرة المثلجة. ليس هناك على الأرض هواء نقي ومفعم بالأوكسجين كالذي تتنفسه هنا. وسيغمرك شعور طاغ بالزهو أن أنفك المتجمد هو أول من يستنشق الرياح النظيفة القادمة من أقاصي القطب الجنوبي للأرض.
... في طريق العودة، ستتذكر دوما، أن الأرجنتين بالفعل، أكثر من مجرد كرة قدم!.
 
الى لقاء!..





 
 
 
 
 
 

الثلاثاء، 27 مايو 2014

أول صورة بانورامية تحبس لحظة ضوء في ذاكرة "مكة المفقودة"


 

صحيفة مكة فردت صفحتان كاملتان للصورة البانورامية التاريخية عدد الثلاثاء 27 مايو 2014


مكة المكرمة: عمر المضواحي

ليس هناك مدينة في الأرض عانت من الفقد ووجع الحنين والذكرى كمكة العتيقة. وليس هناك صورة حبست لحظة  " مكة المفقودة " أكثر مما فعلت هذه اللقطة البانورامية التاريخية التي تعد أول صورة موثقة للبلد الحرام والبيت العتيق تم التقاطها قبل نحو 134 عاما من فوق أبي قبيس، أقدم جبال الأرض، وشيخها الأمين.

وادي إبراهيم المقدس، مزروعا بمساكن الأنس، ومرابع الإيمان، وينابيع الحياة اليومية. تتدافع مناكب البيوت، وأعتاب عماراتها وكأنها في عبادة أبدية في أرض الصلاة. كلما دنت شرفاتها ونوافذها الملونة من الحمى الطاهر، تحولت الى مهج جائعة تطلّ ببوح أفراحها في سكينة وطمأنينة رغم رهبة المقام المقدس.. كلّ الجبال والقلاع والمباني تنكس رؤوسها مهابة لسناء الكعبة المشرفة ومآذن البيت العتيق، في ميزان هندسي لا تخطئه عيون القلوب وأحاسيس البصر.

تفاصيل صغيرة، تتنفس من مسام أخشاب الأبواب والنوافذ والرواشين المزركشة، وشبابيك الأسطح بطين الآجور الملون. تبدو وكأنها قُدتّ من روح واحدة. تتباين الأشكال والألوان والارتفاعات لكنها جميعا تفيض بالروح والمهابة  رغم الاحتشاد والتدافع.  كل الطرقات تصافح المنازل والمرابع والأسواق لكن وجهها يبقى ملتفتا دوما صوب القبلة. لم تنس الطرق والأزقة أن وظيفتها الرئيسة ـ في البدء والنهاية ـ  إغراء خطوات العابرين وأخذها في حنو ومودة إلى أماكنها المنتظرة في البيت العتيق.

الصورة البانورامية لم تحبس لحظة ضوء وظلّ وحركة فقط، بل أشرعت المجال واسعا لروح الهوية المكيّة المقدسة، في مشهد منسوج بالأسرار والأسئلة المعلقة. لم تقدم عدسة الكاميرا إجابات بقدر ما بدا حرص صاحبها عكس معان القيّم المجرّدة، وجوهر الإيمان العميق بقداسة المكان والمكانة وحسب.

تزاورت عين الكاميرا حول المؤمنين، وهمّ في فجوة منها، عن صلوات وطواف وتراتيل خلف ستائر الظلّ والأعمال بالنيّات، وأفسحت لنور الشمس وحدها ذات اليمن وذات الشمال لتنفخ الروّح في ذاكرة الأمكنة لتحكي ببساطة، عن أدق أسرار الهويّة المكية المقدسة.

اليوم، مضى كل شيء إلى غايته. ولم يبق من صروف الدهر أي تفصيل حبسه الضوء سوى قدس الأقداس؛ كعبة البيت العتيق. كل ما ومن عليها فان. أحياء وبيوت، وطرقات وقلاع، ومآذن وأروقة ورؤوس جبال. لم يبق غير محضّ تذكار لواقع ساد ومن ثم باد إلى غير عودة!.

الخميس، 20 مارس 2014

عين زبيدة .. حكاية الماء في عطش مكة!



 
سدّ وقنطرة الخاصرة  بين مشعري عرفات ومزدلفة وهو أحد شواهد عين زبيدة في مكة المكرمة


مكة المكرمة : عمر المضواحي
حكاية الماء في مكة مقرونة دوما بعواطف الأمومة والإيثار والرحمة في قلوب النساء!. فمنذ أن نبع ماء زمزم غياثا للسيدة هاجر وطفلها إسماعيل، بعد أن تركهما إبراهيم الخليل عليهم السلام في جوف واد غير ذي زرع عند بيت الله المحرم، دبّ سرّ الحياة والخصبّ في مكة وفاض النبع رواءً يطفئ ظمأ الروح وعطش الجسد حول الماء المقدس.. والقصة معروفة.
بين الماء والنساء علاقة حميمة. وفي أهم مفاصل قصص العطش في مكة كانت المرأة حاضرة دوما لتسقي أهل أم القرى ووفد الله الى بيته العتيق. وليس في معالم مكة وبطاحها حتى اليوم أثرا تاريخيا خالدا أعظم من مشروع عين زبيدة بأقنيته وقناطره وجسوره وخرزاته الصامدة منذ نحو 1248 عاما مضت.
قصة السيدة زبيدة بنت جعفر إبن أبي جعفر المنصور ماثلة للعيان، لتحكي واحدة من أشهر حكايات الماء والعطش في مكة ونذرها لحياتها وأموالها لتوفير الماء لوفد الله وضيوفه إبان خلافة زوجها هارون الرشيد في العصر العباسي (170هـ الى 193 هـ  / 876 م الى 809 م ).

فيما تسطر كتب التاريخ وبعد نحو ثمانية عقود من الزمن بأحرف من نور إسم السلطانة فاطمة خانم كريمة السلطان العثماني سليمان القانوني بعد أن طلبت منه في العام 969 هـ أن يأذن لها بإكمال ما بدأته السيدة زبيدة العباسية. فناسب السلطان أن تكون أخته هي أيضا صاحبة هذا الخير، وأذن لها في ذلك فأوصلت ماء عين زبيدة الى مكان عين حنين في مكة لأول مرة في التاريخ بعد عمل شاق إستمر عشر سنوات (979 هـ / 1571م)
د. معراج مرزا أمام سدّ الخاصرة
عين زبيدة
يقول د. معراج مرزا أستاذ الجغرافيا في جامعة أم القرى: " تحت جبل الرحمة، وحتى الآن، لا تزال بقايا قنوات عين زبيدة شاهدة للعيان. وكان الى عهد قريب حنفيات حجرية خرطت كتحف فنية جميلة ووضعت على القناة ليشرب الحجاج منها بيسر وسهولة، وبعد أن توفر الماء في العهد السعودي الزاهر تعرضت تلك الحنفيات الى الإهمال والإندثار".

في جولة خاصة، لتتبع جانب من قنوات عين زبيدة في المشاعر المقدسة، كان د. معراج يتوقف أمام كل آثارها الصامدة بين عرفات و المشعر الحرام. وطوال مسيرنا كانت تبدو قناطر المياة الصخرية وهي ممتدة كسوار عريض يحيط خصر الجبال المطلة على الطريق المؤدي الى مزدلفة. أحجار ملونة ومتعددة الأحجام مرصوفة باتقان مدهش يراعي إنسياب المياه رغم الجبال والتلال والوهاد، وظلت على مدى قرون تنقل في جوفها سرّ الحياة بين جبال المشاعر المقدسة ومنازل الحجاج في بطاح أوديتها الجافة.
قنوات عين زبيدة على جبال المشاعر المقدسة


 
بعد نحو كيلو مترات على يمين الطريق النازل الى مزدلفة إنعطفنا يمينا لنتابع سور قنوات العين على سفح الجبل عبر طريق غير مرصوف الى فضاء مفتوح مهمل في واد جاف يضيق بصخور وأحجار نقلتها سيول قديمة، وأكوام من الردّم ومخلفات البناء، إطارات تالفة، وبعض الأشجار الشوكية.
مدخل من طريق عرفات مزدلفة يؤدي الى سدّ الخاصرة 
 وبعد نحو 500 متر تجلت أمامنا واحدة من أهم وأجمل محطات عين زبيدة في مكة. والمعروفة بإسم "الخاصرة" على إسم واد ضيق بين جبلين أقيم بينهما سدّ يحمل قنطرة ماء يجري في أعلاه بارتفاع يزيد عن عشرة أمتار مرصوف بالحجارة والجصّ والطين في شكل هندسي بديع،
 
بدا أن المكان محطة إستراحة رئيسية للحجاج والمسافرون بين مكة والطائف في القرون الماضية، غير أنها الآن خاوية على عروشها، لا يعرف الطريق إليها إلا من قرأ عنها، وقلة من أهل مكة كما يقول د. معراج مرزا.
 







خرزات (غرف تفتيش) لأقنية مياه عين زبيدة تحت الأرض
سرنا على الأقدام في إتجاه القنطرة لتفقد المكان والتقاط الصور. دوى صوت نباح كلاب وثغاء أغنام وصياح ديك ونقنقة دجاج!. كان للسد بابين نافذين لجانبي مجرى الوادي الضيق. عبرنا الباب لنجد أحواشا وزرائب لتربية الضأن والأغنام وأعشاش للدواجن، وكلبين أسودين لحراسة المكان، فيما وضع صاحب الأغنام زيرا كبيرا من طين الفخار لحفظ الماء باردا جراء عبور التيار الهوائي بين منفذي الباب الضيق.
 
مرفق مائي سياحي
يقول د. معراج مرزا، هذه المنطقة من السهل جدا إستثمارها فيما لو رممت وأعيدت لها الحياة من جديد. وهي تتوفر على كل شروط إقامة مرفق مائي كامل الأركان والمواصفات، ويستحق أن يكون محطة سياحية وترفيهية يستفاد منها طوال أيام العام أهالي مكة والمعتمرون والزوار للإطلاع على جانب قائم يؤكد عظمة التاريخ الإسلامي، وهندسة نظم المياة في الحضارة الإسلامية، وعمارتها الفريدة.
 

40 كيلو متر بلا مضخات!
ويقول الدكتور عادل بن محمد نور غباشي أستاذ التاريخ ونظم الحضارة الإسلامية في جامعة أم القرى إن أثار عين زبيدة تعد من أبرز الأعمال والمشروعات العمرانية المشرقة في تاريخ مكة المكرمة، وهي مكملة للتاريخ الحضاري والمشرق لمملكتنا الحبيبة التي نعتز ونفتخر بماضيها وحاضرها ومستقبلها بإذن الله.

أضاف: آثار عين زبيدة في طريق الحج العراقي وأعمالها العمرانية في مكة  تحكي قصة بنائها وطرازها المعماري بتميز المعماريين المسلمين وأساليبهم المعمارية لحمايتها وتسهيل جريان مائها وإيصاله طبيعيا الى مكة دون آلات ضخ أو رفع لمسافة تقدر بنحو 40 كم.

 
أسطورة زبيدة
ويصف محمد بن عمر حسين نتو وهو باحث يحمل درجة البكالوريوس في الجغرافيا ويدير الآن  متحفا تاريخيا في مكة المكرمة أنه عندما وصل بناء قناة مياه عين زبيدة الى الخاصرة، وهو مجرى أحد السيول قام البناءون بتشيد هذا السدّ لحجز تلك السيول، والتحكم في تدفقها لسقيا المزارع الواقعة قديما في أسفله، ومن ثمَ تصل إلى "المزدلفة" عبر جبل خلف "منى" ، ثم تصبّ فى بئر عظيمة مرصوفة بأحجار كبيرة جدًا تُسمّى "بئر زبيدة".

ويضيف بأن الكثير من الناس يعتقدون أن عين زبيدة ممتدة من العراق إلى مكة المكرمة. وكثير منهم يصرّون على ذلك. ولكن الحقيقة أن أصل ماء هذه العين يأتي من وادي النعمان شرق مكة المكرمة يسار المتّجه منها إلى الطايف. ولابد لكل عابر للطريق اليها صعودا أو نزولا من أن يشاهد على سفوح الجبال بقايا بناء قناة "زبيدة" الأسطورية التى أمرت بتنفيّذها السيدة زبيدة زوجة هارون الرشيد بعد حجها في العام 186هجرية وحفرها قنوات مائية تتصل بمساقط المطر.

ويؤكد الباحث محمد نتو الذي يهم بإصدار كتاب يصدر قريبا بعنوان (شواهد تاريخية مكة المكرمة) أنه خلال سنتين من البحث والتقصي والتردد على أهم مواقع بقايا قنوات عين زبيدة وجدها تعاني الإهمال والإندثار، ومنها ما تم مصادرة أراضيه في وادي عرنة ودخول أكثرها في أحواش غير نظامية. مطالبا هيئة السياحة والآثار بالتدخل العاجل لإنقاذها من الإندثار، كما طالب إدارة عين زبيدة في منطقة مكة، ومشروع الملك عبدالله بن عبدالعزيز لترميم عين زبيدة، ببذل المزيد من الجهد والدراسات التي أستمرت اكثر من 12 عاما دون أن يحدث شيء ملموس على أرض الواقع.

د. عادل غباشي

إطار 1

زبيدة أول من أدخل مياه الحلّ الى الحرم في مكة

يقول الدكتور عادل بن محمد نور غباشي الذي حصل على درجة الدكتوراه في العام 1410هـ عن مصادر المياة في مكة المكرمة، وأحتل موضوع "عين زبيدة" أكثر من 40 % من رسالته لنيل الدرجة العلمية: نجحت السيدة زبيدة نجاحاً كبيراً في أعمالها المعمارية الخيرية على طريق الحج الذي سمي باسمها، حتى أن الرحالة ابن جبير الذي زار مكة تأثر بمستوى الخدمات التي كانت تقدم على الطريق عبر الاستراحات ومرافق المياه كالبرك والآبار وغيرها فقال: " هذه المصانع والبرك والآبار والمنازل من بغداد إلى مكة هي آثار زبيدة بنت جعفر بن ابي جعفر المنصور زوج هارون الرشيد وابنة عمه ، انتدبت لذلك مدة حياتها ، فأبقت في هذا الطريق مرافق ومنافع إلى الآن ولولا آثارها الكريمة في ذلك لما سكنت هذا الطريق والله كفيل بمجازاتها والرضا عنها".

أضاف: لما بلغ السيدة زبيدة معاناة سكان مكة وحجاج بيت الله الحرام من قلة المياه، أمرت ببناء بركة بمكة وجلبت إليها مياه عين من داخل حرم مكة، إلا أن ماءها كان قليلاً ولم يف باحتياجات السكان، وحينئذٍ أمرت زبيدة جماعة من المهندسين، بإجراء مياه عيون الحل إلى مكة على الرغم من أن الناس في ذلك الوقت قالوا لها إن مياه الحل لا تدخل الحرم، لأنها تمر بمرتفعات وجبال تمنعها، بيد أنها أصرت على عملها، وبعثت بأموال عظيمة لتحقق هدفها. ويمكننا القول بأن أعمال زبيدة المعروفة بعين زبيدة لتوفير المياه من الحل قد أخذت طريقين، هما: عين حنين وعين عرفه.

عين حنين
أتجه المهندسون والعمال أولا إلى منطقة حنين التي اشترت زبيدة بساتينها، فأبطلوها وأنشأوا موضع ذلك سداً، لاجتماع السيول المغذية بمياهها لتلك المنطقة، ثم جلبوا مياه عيون تلك البساتين، عبر القنوات إلى مكة، وغذوا القناة بمجموعة من الروافد منها عين المشاش وعيوناً أخرى داخل حرم مكة، فضلاً عن اتخاذهم لمجموعة من البرك، التي تجمع مياه السيول، وتغذي بها قناة عين حنين.

ومما تجدر الإشارة إليه أن المهندسين والعمال واجهوا أثناء عملهم جبلاً منعهم من إيصال الماء إلى مكة، عند ثنية خل الواقعة على حدود حرم مكة بالقرب من أعلام نجد، لكن إصرار زبيدة على إنجاز مشروعها وما بذلته من أموال، ساعد على تخطي ذلك الأمر الصعب، وتم لها ما أرادت. وكلفها ذلك المشروع مبلغ مليون وسبعمائة ألف دينار ذهباً.
أما تاريخ السنة التي أنشئت فيها هذه الأعمال، فقد حددها لنا الأزرقي بعام 194هـ / 809 م ، وأكد ذلك الفاكهي بقراءته لنقش كتابي كان على بركة زبيدة التي بالمعلاة نصه: " بسم الله الرحمن الرحيم ، لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وصلى الله على محمد عبده ورسوله بركة من الله مما أمرت به أم جعفر بنت أبي الفضل جعفر ابن أمير المؤمنين المنصور – رضى الله عن أمير المؤمنين – بإجراء هذه العيون سقاية لحجاج بيت الله وأهل حرمه، طلب ثواب الله وقُربة إليه على يدي ياسر خادمها ومولاها سنة – 194 – أربع وتسعين ومائة.

عين عرفة
أما ما ورد بشأن إجراء السيدة زبيدة مياه عين عرفة من وادي نعمان إلى بئر زبيدة الواقعة بحي العزيزية اليوم، فقد أشار المؤرخ قطب الدين النهروالي (ت990هـ) ومن أتي بعده من المؤرخين المعاصرين ، إلى أن من أعمال السيدة زبيدة لخدمة حجاج بين الله الحرام، إجراء مياه عين نعمان في قناة إلى جبل الرحمة بعرفة ثم من هناك إلى جبل خلف المأزمين، ثم منه إلى مزدلفة، ثم تسير القناة إلى أن تصل إلى جبل خلف منى، فتصب عند ذلك في بئر عظيمة مطوية تسمى بئر زبيدة.

كما وردت اشارة في كتاب" العقد الثمين" للفاسي هذا نصها: " زبيدة بنت أبي الفضل جعفر بن أبي جعفر المنصور … عظمت عنايتها بإجراء الماء إلى مكة … ووجدت بخط بعض المؤرخين أنها اهتمت بحفر الأعين بعرفة ومنى ومكة ". وهذا النص يجعلنا نرجح أن المؤرخ قطب الدين النهروالي، قد اعتمد في نقل أخبار عناية السيدة زبيدة بإجراء ماء نعمان إلى عرفة، ومنها إلى بئر زبيدة على مصادر تاريخية، لم استطع الوصول إليها.
ويظهر مما سبق أن المشروعات المعمارية التي نفذت ، كان لها أثرها الكبير في توفير المياه لسكان مكة وحجاج بيت الله الحرام، إلا أنها كانت تتطلب متابعة دائمة لأعمال الصيانة وإعمار ما تخرب تستمر المياه في عطائها، وعلى هذا فقد حدث نقص في المياه وتوقف وصولها في سنيين عديدة عبر القرون الإسلامية منذ أن أتمت زبيدة مشروعها، وذلك لخراب القنوات أو قلة هطول الأمطار في سنين مختلفة مما تقل معه كمية مياه العين.

الملك المؤسس وعين زبيدة
يؤكد د. عادل غباشي أنه في عهد الملك عبدالعزيز ( يرحمه الله ) ومنذ ضمه لمكة المكرمة إلى حكمه عام 1343هـ بدأ عهداً جديداً من الأعمار والإصلاح لعين زبيدة وقنواتها وبركها والأسبلة والخزانات المرتبطة بها ، فازدادت كمية المياه عما كان سابقاً، وظهر لأول مرة في التاريخ أن القناة التي أسست منذ أكثر من (1200) سنة غير قادرة على إستيعاب كمية المياه الإضافية، مما يعد تطوراً في تاريخ عين زبيدة ، وقد ظهرت أثاره بزيادة كميات المياه الواردة إلى مكة المكرمة لسقيا سكانها وحجاج بيت الله الحرام.
 
أ. محمد عمر نتو


إطار 2

السيدة زبيدة أنفقت لإيصال الماء الى مكة والمشاعر ما يعادل 5950 كيلو جرام من الذهب!

يقول الباحث محمد عمر نتو الباحث محمد نتو الذي يدير الآن  متحفا تاريخيا في مكة المكرمة إن زبيدة كانت سيدة جليلة سخية لها فضل في الحضارة والعمران فقد بنت المساكن والنُّزُل على امتداد طريق الحاج من العراق إلى مكة المكرمة. كما أنشأت به مجموعة من المساجد والبرك والآبار والمنازل والمصانع والمرافق، وجعلتها للنفع العام (الحجاج وعابري السبيل). كما أدركت أثناء حجّها مدى الصعوبات التي تواجه الحجاج خلال طريقهم إلى مكة من نقص المياه، وما يعانونه من جرّاء حملهم لقرب الماء من تعب وإرهاق، وكان الكثير منهم يموتون جرّاء ذلك.
وبسبب ذلك قرّرت زبيدة شراء جميع الأراضي في الوادي، وأبطلت المزارع والنخيل، وأمرت بأن تُشقّ للمياه قناة فى الجبال. وأثناء مرور القناة بالجبال، جعلت لها فتحات لأقنية فرعية أقامتها في المواضع التى تكون متوقعة لاجتماع مياه السيول، لتكون هذه المياه روافد تزيد في حجم المياه المجرورة إلى مكة المكرمة عبر القناة الرئيسة.
وقد أنفقت السيدة زبيدة الكثير من أموالها و جواهرها لتوفر للحجاج المياه العذبة والراحــــــة و تحميهم من كارثة الموت عطشا. وبعد أن أمرت خازن أموالها بتكليف أمهر المهندسين و العمال لإنشاء هذه العين، أسرّ لها خازن أموالها بعظم التكاليف التي سوف يكلفها هذا المشروع، فقالت له: "اعمل ولو كلفتك ضربة الفأس دينارًا"، وقد بلغ طول هذه العين عشرة أميال تقريبًا، أو ما يعادل ستة عشر كيلو مترًا.

وقيل إنه بلغ مجموع ما أنفقته السيدة "زبيدة على هذا المشروع مليونًا وسبعمائة ألف مثقال من الذهب. أي ما يساوي خمسة آلاف وتسعمائة وخمسين كيلو غرامًا.
ولما تمّ عملها، اجتمع العمال لديها، وأخرجوا دفاترهم ليؤدوا حساب ما صرفوه، وليبرّئوا ذممهم من أمانة ما تسلموه من خزائن الأموال. وكانت السيدة "زبيدة" في قصر مطلٍّ على دجلة، فأخذت الدفاتر ورمتها في النهر، قائلة: "تركنا الحساب ليوم الحساب. فمن بقي عنده شيء من المال فهو له، ومن بقي له شيء عندنا أعطيناه" وألبستهم الخِلَع والتشاريف.

 وقد وصف اليافعي (عين زبيدة) في القرن الثامن للهجرة فقال: "إن آثارها باقية ومشتملة على عمارة عظيمة عجيبة مما يتنزه برؤيتها على يمين الذاهب إلى منى من مكة ذات بنيان محكم في الجبال تقصر العبارة عن وصف حسنه، وينزل الماء منه إلى موضع تحت الأرض عميق ذي درج كثيرة جدًا، لا يوصل إلى قراره إلاّ بهبوط كالبئر".


شكرا لتفضلكم بالقراءة.. عمر المضواحي

الأربعاء، 5 مارس 2014

مسجد البيعة.. روح التاريخ في جسد الحاضر



مسجد البيعة التاريخي في قلب مشروع جسر الجمرات العملاق في منى.
مصلون داخل مسجد البيعة في منى.
صفحة مكيات عدد الأربعاء 5/3/2014 م

مكة المكرمة: عمر المضواحي (خاص بصحيفة مكة المكرمة)
بين تلال من مباني وجسور الجمرات الثلاث العملاقة، ومهاد من طرقات واسعة تم إعدادها بعناية واضحة، يبدو مسجد البيعة التاريخي بلون طيني فاتح واضحا للعيان على مرمى نحو 500 مترا فقط من جمرة العقبة الكبرى في مشعر منى. وبالقرب منه، على سفح جبل ثبير، تقف لوحة إرشادية كبيرة تشير الى بداية حدود المشعر المقدس.

المشهد مثير حقا للعيان، ويحقق تكاملا بين متطلبات التطوير والعمارة الحديثة من جهة، والمحافظة على المواقع التاريخية الهامة ذات المواقف الإسلامية الحاسمة في تاريخ الأمة من جهة أخرى. ويكاد مشعر منى المقدس هو النموذج المثالي الماثل للعيان في تحقيق التطوير مع بقاء المعالم والآثار والمقدسات كشواهد تدل على أصالة التاريخ، ومعاصرة الحاضر.

جمرات ثلاث وصعيد طاهر متوج بالخيام البيضاء، وخدمات نقل بالقطار وطرق فسيحة وجسور حديثة ومسجد الخيف، ومجرّ الكبش، ومسجد البيعة كلها معا تشكل خليطا مشبعا للعين والروح معا بين ماضي تليد وحاضر زاهر، هو كل ما تحتاجه أم القرى ومهبط الوحي في الألفية الثالثة.

مطل واسع يتيح للمعتمرون والزوار مشاهدة بانورامية لمشروع جسر الجمرات
في هذه الأيام ـ وطوال موسم العمرة التي تمتد 270 يوما في العام ـ يقف ملايين المعتمرون والزوار طوال العام ليشاهدوا مقدسات الركن الخامس في الإسلام، وأهم المواقع النبوية في صدر الإسلام عبر مطلّ واسع يحفها مشروع تطوير جسر الجمرات الثلاث بطوابقه الخمسة ويلتقطون صورا تذكارية باعجاب واضح أمام هذا المشروع الضخم، الحائز على عدة جوائز تقديرية، والذي وفر فضلا عن جمال عمارته وتخطيطه الهندسي الفريد، الحماية والراحة وتسهيل أداء واجب رئيس من واجبات الحج في يسر وأمان لملايين الحجاج عند رميهم للجمرات في أيام التشريق من كل عام.
د.معراج يشير الى أقدم لوحة منقوشة تؤرخ لبناء المسجد عام 144هـ

رحلة كاملة، يحرص عليها المعتمرون والزوار تنتهي يحرصهم على النزول الى مداخل جسر الجمرات في بطن الوادي الفسيح لأداء الصلاة في مسجد البيعة الأثري وإلتقاط صورا تذكارية لوقوفهم في واحد من اهم المواقع النبوية في مكة والذي شهد اول بيعة في تاريخ الإسلام وقبل هجرة النبي صلى الله عليه وسلم الى المدينة المنورة.
في اتجاه مسجد البيعة
يصون ومن ثم يلتقطون صورا تذكارية
كان الدكتور معراج نواب مرزا مستشار وكالة جامعة أم القرى للأعمال والإبداع المعرفي والأستاذ الزائر  في جامعة هارفارد ـ مركز التحليلات الجغرافية ـ يروي لصحيفة مكة المكرمة خلال جولة ميدانية قصصا عن هذا المسجد التاريخي، وما شهد موقعه من أحداث ووقائع تحفظها كل كتب تاريخ مكة والسيرة النبوية المطهرة، ومناسك الحج والعمرة وغيرها.

صورة جوية (من الانترنت) تبين مسجد البيعة في قلب مشروع جسر الجمرات الجديد.

تم تنحية مواقف السيارات الى مسافة كافية عن موقع المسجد.
موقع حصين

قبل العام 1428 هـ كان مسجد البيعة محاطا بالجبال العالية من كل إتجاه، متواريا عن الطريق وأنظار القادمين من مكة والخارجين من منى. و كان النبي محمد صلى الله عليه وسلم بعد بعثته وحياته في مكة المكرمة، يختبيء في هذا الموقع الحصين عن عيون كفار قريش وترصدّ قبائل الجاهلية، ليستقبل الوفود ويعرض عليهم الدين الخاتم للأديان السماوية.
في السنة الثانية عشرة من بعثته الشريفة إستقبل النبي صلى الله عليه وسلم في هذا المكان وفدا من 12 رجلا يمثلون أعيان قبيلتي الأوس والخزرج القادمين للإستماع له من يثرب. عرض النبي عليهم نفسه الشريفة، وبلغهم رسالة ربه، وكفل لهم إنقاذهم من الشرك والضلال، ودعاهم الى أول بيعة له من دون العالمين. وقرّ الإسلام في قلوب الجميع، ومدّ الأنصار أيديهم لمبايعة النبي صلى الله عليه وسلم وعاهدوه عهد صدق ووفاء بنصرته الى أن يظهر الله دينه، وكانت بيعة العقبة الأولى.

وفي العام التالي 13 من البعثة شهد نفس الموقع بيعة العقبة الثانية والتي حضرها 73 رجلا وامرأتان من الأنصار قدموا من المدينة المنورة، وبايعه الجميع فردا فردا على بذل النفس والمال والأهل وكلّ غال ونفيس في سبيل نصرة نبي الله وإظهار دين الإسلام، وعقد العقد عم النبي العباس بن عبدالمطلب رضي الله عنه.

 كانت المعاهدة بين رسول الله صلى الله عليه وسلم والأنصار النواة الأولى للدولة الإسلامية في التاريخ، وقام الخليفة العباسي أبو جعفر المنصور بتشيد مسجدا على موقع البيعة تخليدا لهذه الذكرى العطرة، وربما تكريسا لدور الجدّ الأعلى للخلفاء العباسيين عم النبي وناصره العباس بن عبدالمطلب رضي الله عنه الذي أمضى عقد البيعتان.

مسجد البيعة من الداخل
بناء عثماني
طوال عقود مضت من الزمن كان مسجد البيعة منسيا لا يعرف مكانه الا القلة ممن قرؤوا عنه. وظل متواريا بين الجبال في شعب يعرف بشعب الانصار وشعب العقبة تحت جبل ثبير، أحد أضخم جبال منى. وكان آخر بناء للمسجد  كما ذكر العلامة الفقيه علي ابن عبدالقادر الطبري (ت 1070 هـ) أنه تم في عهد دولة السلطان أحمد بن محمد خان على يد الباشا حسن المعمار، ثم عمره لاحقا الوزير أحمد ابن يونس في حدود عام 1024 هـ.. ولا يزال قائما الى اليوم بعد ترميمه وتجديده في العام 1428 هـ.

في العام 2007 وخلال بدء أعمال أكبر توسعة يشهدها جسر الجمرات  في التاريخ وما لحقها من قص الجبال وإزالة الشعاب المحيطة بمنطقة المشروع، ظهرت معالم مسجد البيعة على الوادي الفسيح. وشاع حينها أنه كان مطمورا تحت الأرض، على خلاف الواقع، والصحيح أن المسجد كان متواريا خلف الجبال، قائما في حال سيء متهالك الأجزاء بفعل تقادم الزمن وعوامل التعرية، وطول العهد به عن أي عناية أو إهتمام.

الملك عبدالله
كانت خرائط الشركة المنفذة للمشروع التوسعة تشير حينها الى أن المنطقة التي تضم موقع المسجد الأثري ستخصص بكاملها كموقف عام للسيارات والحافلات المخصصة لنقل الحجيج الى منى. تداعى نخبة من رجالات مكة وأعيانها على العمل معا لحفظ موقع مسجد البيعة، وعدم إزالته في أعمال توسعة جسر الجمرات الجديد. وقاموا باتصالات سريعة مع أمانة العاصمة المقدسة لتدارك الأمر، وتجنيب موقع مسجد البيعة من أعمال الإزالة والهدم.

وتقدم المهتمون بأمر المسجد التاريخي بكل الإثباتات المؤكدة لصحة الموقع وقيمته التاريخية، وحضوره القوي الثابت في السنة النبوية الشريفة. وطلبوا تدخلها في شكل عاجل على حفظه وصيانته وعدم جرفه وطمسه عند تنفيذ المشروع.
تم تواصل أمانة العاصمة المقدسة مع قيادة الشركة المنفذة لمشروع جسر الجمرات الجديد، وأبلغت الأمانة مرجعيتها الرسمية وزارة البلدية والقروية وهي الجهة المشرفة على مشروع تطوير منى والمشاعر المقدسة، ورفع الأمر برمته للمقام السامي للنظر فيه.

بعد أيام أفلحت الجهود المباركة، وصدرت توجيهات خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز ـ حفظه الله ـ بالحفاظ على مسجد البيعة وترميمه وإبقاءه كأثر إسلامي هام، وموقع من المواقع النبوية المباركة في مكة المكرمة.
وكما يشاهد الآن، تم تعديل الخرائط ومسارات جسور الجمرات الجديدة، بالإلتفاف قليلا حول موقع مسجد البيعة، على الضفة اليسرى من ناصية مخرج الجسر الأخير في إتجاه مكة، وتمت له أعمال ترميم حافظت على طرازه المعماري القديم وأحاطته بسور حديدي من كل جوانبه، الى جانب أعمال بنية تحتية خاصة بتصريف المياه تحمي المسجد في حال سقوط الأمطار وجريان السيول.



محراب المسجد كما يبدو من الخارج
والمحراب من الداخل
الظاهر والباطن
ويبدو  مسجد البيعة الآن في حال حسن من ظاهره، ويميل بناء جدار محرابه قليلا الى اليسار نحو الجنوب الغربي في إتجاه القبلة وتبلغ مساحته الإجمالية 500 م2 تقريبا. وعلى العكس من أيام موسم الحج الذي يغلق فيه المسجد وتمنع فيه الصلاة درءا للزحام على مسار جسر الجمرات، هو المسجد الوحيد المفتوح الآن لأداء الصلاة من بين كل مساجد المشاعر الثلاثة في عرفات ومزدلفة ومنى طوال موسم أيام العمرة.
وشوهد خلال الجولة مجموعات من المعتمرين رجالا ونساءا ومن جنسيات مختلفة يؤدون صلوات نافلة في المسجد الذي يخلوا من مؤذن وإمام طوال العام.

وبحسب دراسة تاريخية عن مساجد المشاعر المقدسة أعدها كل من الدكتور ناصر عبدالله البركاتي رحمه الله الأستاذ بقسم الحضارة والتاريخ، وزميله الدكتور محمد نيسان سليمان مناع في جامعة أم القرى وخرجت في كتاب العام 1988م وصف الباحثان أطوال المسجد كالتالي " يبلغ طول الجهة الشمالية للمسجد بمقدار 27,90 مترا، وعرض الجهة الشرقية بمقدار 17 مترا، وهو على شكل مستطيل، ويلاحظ ارتفاع دار رواق القبلة عن باقي جدر المسجد 7 أمتار تقريبا، وطوله 6,85 مترا، وارتفاع جدار الجهة الشرقية 4 أمتار تقريبا، بينما يبلغ ارتفاع جدار الرواق الثاني، وهو باقي المسجد من جهة الشمال، وجهة الجنوب بمقدار 3,20 متر تقريبا".

الباب الوحيد لمسجد البيعة
ولمسجد البيعة باب واحد فقط في الطرف الغربي من الجدار الشمالي، يدخل منه المصلون الى رواق القبلة وهو غير مسقوف. ويتسع الرواق لثلاثة صفوف مفروشة بسجاد أحمر قديم ومهترئ الأطراف تنتهي على بعد متر واحد تقريبا بجدار موازي لجدار القبلة يضم خمسة عقود مقوسة تفتح على صحن المسجد المكشوف وفي نهايته مصطبة ترتفع عن الأرض بمقدار متر واحد.
سور حديدي يحيط مسجد البيعة لحمايته.
وعلى مسافة نحو مترين من جدران المسجد الأربعة، احيط بسور حديدي على قاعدة إسمنتية قصيرة بارتفاع متفاوت بحسب منسوب البناء مثبت عليها قضبان حديدية سوداء اللون بارتفاع متر ونصف المتر  مشغولة بزخارف هندسية بسيطة. ولهذا السور باب من الحديد مقابل للباب المفتوح كقوس للمسجد. وعلق على السور الحديدي من الخارج لوحة زرقاء بارتفاع مترين وعرض متر واحد مرسوم عليها في شكل بارز شعار هيئة الأمر المعروف والنهي عن المنكر وعبارة موقع المركز التوجيهي لمسجد البيعة. ولم يشاهد، خلال الجولة، أي من موظفي الرئاسة في الموقع كما هو الحال عادة في مواسم الحج.

معتمرتان تستندان على سور المسجد وخلفهما لوحة للهيئة وبالقرب منهما معتمر يتوضأ أمام باب المسجد.
وبالمشاهدة، لا تتوفر لداخل المسجد أي عناية خاصة تذكر، فضلا عن خلوه من دورة مياة للوضوء، كما أن حالة النظافة في رواقه وصحنه المكشوفين بلا أسقف، والأخير بلا سجاد للصلاة، بل فرش بالتراب والحصى في شكل يبدو غير لائق.
صندوق خشبي متهالك يحتوي على بقايا أوراق وأغلفة المصحف القديمة
ولا يتوفر مسجد البيعة على مصاحف جديدة، والموجود منها في حال متهالك وقديمة ومستهلكة، تم صف بقاياها من أوراق المصاحف وأغلفتها القديمة باهمال في صندوق خشبي متهالك وضع في وسط كوة داخل جدار المحراب والى اليمين منه، بالقرب من باب الدخول.
لوحتان على الجدار الشمالي للمسجد

ولوحة الرئيسية على الجدار الغربي بجوار المحراب من الخارج

الألواح الثلاثة

ثبت على جداري المسجد ثلاث ألواح من الحجر نقش عليها تواريخ إنشاء المسجد عبر العصور الإسلامية القديمة. وضع أولها في الجدار الغربي يمين المحراب من الخارج، فيما ثبت لوحان آخران بالقرب من بعضهما على الطرف الشمالي للجدار الجنوبي للمسجد.

ويشير اللوح الأول الى أول بناء لمسجد البيعة، والذي أمر بانشاءه فوق موقع البيعة الخليفة العباسي أبو جعفر المنصور في العام 144 هـ (761م). نقش فيه (أمر عبدالله أمير المؤمنين أكرمه الله ببنيان هذا المسجد، مسجد البيعة التي كانت أول بيعة بايع فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم الأنصار بعقد عقده له العباس بن عبدالمطلب رضي الله عنه).

وفي الآخر (تعريفه بمسجد البيعة، وأنه بني في سنة أربع وأربعين ومائة) من الهجرة. فيما اللوح الثالث كتب عليه " (بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد. أمر بعمارته سيدنا ومولانا المفترض الطاعة على كافة الأنام أبو جعفر المنصور المستنصر بالله أمير المؤمنين أعز الله أنصاره وضاعف أقداره. وذلك في سنة خمس وعشرين وستمائة).

د. معراج مرزا يشير الى اللوح المفقود الذي إكتشفه مع أ.د عبدالوهاب أبو سليمان 1421هـ
اللوح المفقود
يتذكر د. معراج مرزا قصة إكتشافه لوح الحجر الثالث الذي يعد وثيقة مهمة في تاريخ مسجد البيعة  بقوله:  في عام 2001 قمت بمعية الأستاذ الدكتور عبدالوهاب بن إبراهيم أبو سليمان استاذ الفقه والأصول "سابقا" بقسم الدراسات العليا الشرعية في جامعة أم القرى، عضو هيئة كبار العلماء حاليا، بدراسة ميدانية لإنجاز بحث علمي مشترك بعنوان (منى المشعر والشعيرة ـ دراسة فقهية جغرافية حضارية) نشرت فيما بعد في مجلة البحوث الفقهية المعاصرة في عدد ذي الحجة لعام 1421هـ".

اضاف: "لدى القيام معا بزيارات عمل ميدانية متكررة لمسجد البيعة عام 1420 هـ وعام 1421 هـ آخرها كان في الساعة الخامسة بعد العصر من يوم الأحد العاشر من شهر ذي القعدة عام 1421 هـ تم إكتشاف اللوح الثالث المفقود لمسجد البيعة، والذي جاء ذكره في تاريخ العلامة تقي الدين الفاسي، وتم تنظيف وجلاء اللوح بأدوات العمل اللازمة لإبراز الحجر الثالث، وإظهار الكتابة المنقوشة على صفحته. وقد كان مغطى بطبقة من الرخام البلدي، وأحكم لزق حوافه وجوانبه بطبقة كثيفة من التلييس البلدي بالطين، والنورة البلدية. ولون الحجر المنقوش أسود يتبدى من خلال الرخام، وتم الكشف عن الكتابة المنقوشة بعناية تامة، وأتضح أن بالحجر شطبا في الجهة اليمنى، والجانب الأسفل منها ايضا".

ويؤكد د. معراج مرزا أن مسجد البيعة يعد من الأماكن التاريخية الهامة في مكة المكرمة، ومن المواقع ذات المواقف الإسلامية الحاسمة في تاريخ الأمة، وجزء من هويتها وعنوان بارز في حضارتها.
وقال: إن من بين أهم الأماكن التاريخية التي حوفظ عليها وتواترت على ذكرها وتعيينها المصادر الفقهية والتاريخية ومصادر السيرة النبوية المطهرة مسجد البيعة الذي بايع فيه الأنصار النبي صلى الله عليه وسلم على المؤازرة والفداء بالنفس والمال والأهل للذود عنه وحمايته في سبيل نشر الإسلام والدعوة إليه.

وختم بقوله: لقد حرص الخلفاء والولاة على صيانته وعمارته عبر القرون، فكان لهم ذكر رفيع ومقام كبير في التاريخ الإسلامي. ودون المؤرخون ما أتصل بهذا المسجد من عمارة وترميم عبر القرون الغابرة والسنين اللاحقة وجعلوه رمزا واضحا لإهتمامهم بالحدث الإسلامي الذي يمثل منعطفا في تاريخ البشرية بشاهد المكان".
شكرا لتفضلكم بالقراءة