الأحد، 20 يوليو 2014

شرورة وحكايتها مع العطش بين جدب الصحراء وغرق السيول!



شرورة وحكايتها مع العطش بين جدب الصحراء وغرق السيول.

شرورة: عمر المضواحي

إذا كان الماء يغمر ثلاثة أرباع العالم، فإن مدينة "شرورة" تقع في قلب الربع الجاف من الكرة الأرضية. حكاية العطش مع شرورة ـ أقصى الجنوب الشرقي ـ تشبه جغرافيتها القاسية. وهي بالرغم من شح الأمطار فيها، إلا أنها وبسبب تضاريس أراضيها المنخفضة تواجه مشكلة دائمة مع السيول المنقولة، مما يجعل حكايتها مع الماء ساخرة ومتناقضة بين الجدب والغرق!.
تقع شرورة على خطوط طول 27ـ17 شمالا و 09ـ47 شرقا. تحيطها كثبان الرمال من ثلاث جهات، فيما تحدها صخور بركانية تتمدد تحت الرمال في اتجاه الجنوب وصولها إلى سلسلة جبال الأحقاف الشهيرة.
ويشاع أن سبب تسمية المحافظة يعود إلى قدح الشرار نتيجة احتكاك هوادج قوافل الإبل القادمة من بين الصخور البركانية في الجنوب. وقيل بل من شدة انعكاس حرارة الشمس على الرمال حتى أنها لتبدوا مشتعلة لكل من ينظر إليها.

في المجالس والمنتديات الأهلية هناك أربعة قضايا رئيسية تدور حولها الأحاديث لتزجيّة الوقت في مناقشات مفيدة حول احتياجات المحافظة التنموية، ويشارك الجميع في طرح الحلول لها بلا كلل أو ملل. انقطاع تيار الكهرباء في فصل الصيف جراء الأحمال الكبيرة، والنقص الهائل في عدد رحلات الطيران من وإلى مطار شرورة، ومشكلة تصريف مياه السيول!.
لكن لا حديث يعلو أبدا عن حكاية العطش، فهو عنوان الحياة الرئيس، وكبرى المعارك الأزلية التي يخوضها السكان ضد جبروت الصحراء المحيطة. وللأسف، لا يبدو أن لهذه الحكاية نهاية في المدى المنظور.. ومن هنا تبدأ القصة:

خزان المياه الجديد في قلب الصورة ويبدو الخزان القديم الى اليسار

عطش شرورة
هناك ثلاثة مصادر لتوفير المياه اليومية اللازمة لنحو مائة ألف إنسان يعيشون في هذه المدينة الجافة، وجميعها تعتمد على آبار ارتوازية بعمق يتجاوز ألف متر في قلب الصحراء. لكنها مياه مالحة وعسرة وتشوبها الأتربة مما يجعلها غير صالحة للشرب، بل للاستعمالات المنزلية فقط. هذا الشح في توفير المياه الصالحة للشرب، خلق سوقا واسعة لعبوات المياه المباعة في البقالات والمراكز التسويقية واعتمادها للشرب والطبخ في المنازل.

أحياء سكنية جديدة بدون شبكات أرضية للمياه

معظم الأحياء السكنية في شرورة، باستثناء حي السلطانة والعزيزية لا تتوفر لها بنية تحتية كاملة، وغير متصلة بشبكات مياه محلاة ونقية. وتعتمد جميعها على شراء  المياه عن طريق الصهاريج المتنوعة الأحجام والأسعار. ويلجأ معظم السكان الذين يعتمدون على مياه هذه الآبار المالحة إلى تركيب أجهزة تنقية لمياه منازلهم من السوق المحلي. وبرغم غلاء نوعيات هذه الأجهزة إلا أنها الحل الوحيد والأقل كلفة للحصول على مياه محلاة قابلة للاستخدام البشري.
من الجدير ذكره هنا أن جميع مواقع القطاعات العسكرية ومساكنها تتوفر على آبار خاصة لتوفير المياه لأفرادها، وكذلك المستشفيان العام والعسكري التي يتوفر لكلاهما على محطات تنقية خاصة باحتياجاتها.

بئر الجمعية الخيرية في شرورة معطل منذ شهرين رغم تغطيته لنصف حاجة السكان للمياه


الجمعية الخيرية
تحمل جمعية البر الخيرية على عاتقها توفير 50% من حاجيات سكان شرورة للمياه عبر إشرافها على بئر ماء غزير لكنه غير صالح للشرب بسبب احتواءه على شوائب أتربة وأملاح كبريتية عالية التركيز.
يقول الأهالي أن هذه البئر ـ رغم ملوحة مياههاـ شريان رئيس لاستمرار الحياة هنا. وعند تعطل مضخاتها ـ وهذا يحدث مرارا مع الأسف ـ يرتفع سعر صهريج المياه حمولة 12 طن إلى أربعة أضعاف من 50 ريال إلى 200 ريال للصهريج الواحد.
بالوقوف على موقع بئر الجمعية الخيرية كانت متعطلة، وخالية من الناس والصهاريج، ويقال أن عطل أصابها منذ نحو شهرين ولم تتم صيانته حتى الآن. الحديث عن مؤامرات تحاك ضدّ هذه المضخة الكهربائية شائع بين ألسنة الناس. وهم يتهمون عصابات الماء الذين يضعون قليلا من السكر في ماكينة المضخة لتتعطل ومن ثم تستفيد العصابة من رفع سعر الماء. لكن لا يقدم أي منهم دليلا واحدا على صحة روايتهم.


صهاريج المياه تقف أمام بئر حي صوعان في شرورة


آبار البلدية
المصدر الثاني للمياه تأتي من خمسة آبار  تابعة لبلدية محافظة شرورة، والتي لا يعمل منها الآن غير بئرا واحدة فقط معروفة باسم (حيّ صوعان) لكنها كافية لتغطية نحو 30 % من حاجة السكان. وتشهد مضخة البئر زحاما يوميا بسبب تعطل بئر الجمعية الخيرية، وحاجة الناس للمياه في شهر رمضان المبارك.

محطات أهلية
من اللافت في شوارع المحافظة انتشار صهاريج مياه صغيرة الحجم تابعة لأربعة محطات تنقية أهلية تتولى إيصال المياه الصالحة للشرب للمنازل وتعبئة الجوالين الفارغة سعة 20 لترا بمبلغ ريالين لكل جالون. وبالرغم من عدم قانونية عمل هذه المحطات ـ حسب تعليمات وزارة المياه والشركة الوطنية للمياه ـ إلا أنها تعد المصدر الثالث والرئيس للحصول على مياه منقاه وصالحة للاستهلاك البشري.


مصلى في طريق الوديعة وبجانبه صهريج لتوفير مياه للوضوء


الماء.. الماء
ويتحدث الأهالي بحسرة عن أسباب توقف مشروع جلب المياه من قلب الربع الخالي الذي بدأه الأمير مشعل بن سعود الأمير السابق لمنطقة نجران في العام 1428هـ، وتخصيص مجموعة آبار منها لمحافظة شرورة وإنشاء محطة تنقية ثلاثية لتحلية وتعقيم المياه على مسافة لا تزيد عن 10 كم منها على طريق الخرخير.

لكن العمل لم يبدأ بهذه المحطة رغم اكتمال إنشاءاتها منذ 3 سنوات مضت. ويقول الأهالي أن سبب توقف المشروع جاء نتيجة مشكلة غير واضحة بين جهات حكومية لم تتمكن حتى اليوم من تجاوزها، بالرغم من عطش لسان شرورة وجفاف حلقها.
 
إطار ( 1 )
 
خالد بن حمد آل عجيان يشرح حالة مياه آبار محافظة شرورة ومراكزها التابعة لها.
 
فلتر بـ عشرون ريال يقف أمام رواج أجهزة منزلية لتنقية المياة!
تعج أحياء وأسواق محافظة شرورة بالمطاعم والمقاهي الشعبية التي تستخدم بالتأكيد مياه الآبار المحلية. ويدور شك كبير في نوعية المياه المستخدمة لتجهيز الأكلات والمشروبات التي تقدمها للزبائن. وللأسف لم تتمكن صحيفة مكة من الحصول على تصريحات للمسئولين للوقوف على تأثير استهلاك المياه غير الصالحة للشرب على الصحة العامة لسكان المحافظة.
في شارع الثلاثين التجاري يتوسط متجر هو الوحيد من نوعه لبيع وتسويق أجهزة منزلية لتحلية وتنقية المياه بطاقة تتراوح بين 50 ـ 75 جالون يوميا، وتكلف عملية تركيب جميع الأجهزة الخاصة بالشرب والخزانات العلوية نحو 2000 ريال للمنزل الواحد.       
يقول خالد بن حمد آل عجيان مدير المتجر أنه كانت هناك خمسة محلات لتسويق أجهزة التحلية المنزلية، لكنها أغلقت جميعها نشاطها بسبب عدم الإقبال عليها. أضاف: واصلنا العمل بالصبر والتسويق لمنتجاتنا منذ العام 1422 هـ وحتى الآن.. مؤكدا أن هناك نموا ملحوظا في إقبال السكان عليها بعد تعرفهم على أهميتها خاصة لتنقية مياه الشرب.
يضيف خالد البريكي عندما افتتحنا المحل طلب منا وكيل الشركة المنتجة لهذه الأجهزة عينات للمياه في شرورة. وبعد تحليلها في معامل الشركة في الرياض اتضح ارتفاع نسبة الكبريت فيها، كما أن درجة ملوحة المياه تصل إلى 650 ملم وفيها أتربة وشوائب. ونصح خبراء الشركة بنوع يقوم بمعالجة ثلاثية للمياه، كي تكون صالحة للشرب والاستخدامات المنزلية.


أجهزة منزلية لتنقية مياه الشرب
  المشكلة إن تصفية مياه الآبار من الأتربة والشوائب تستلزم تغيير الفلتر القطني كل 25 يوم فقط وليس كل شهرين كما تشير مواصفات صناعة الأجهزة. ودائما ما يواجهون انتقادات وعدم رضا الزبائن بسبب سرعة اتساخ الفلتر الأول بالأتربة والشوائب، وتغييره بسعر 20 ريالا كل شهر.

بئر مياه مركز الوديعة الحدودي

ويشير خالد إلى أن نسبة ملوحة مياه آبار مركز الوديعة الحدودي أعلى بكثير من ملوحة آبار محافظة شرورة. وعندما يذهب المختصين في متجره لتركيب أجهزة تنقية لمنازل سكان مركز الوديعة يجدون دائما أن أنابيب المياه في المنازل منتهية الصلاحية بسبب ترسبات الأملاح والشوائب فيها.
 
 
إطار ( 2 )
 
بوابة مطار محافظة شرورة المحلي
 
مطار شرورة يستقبل رحلتان يوميا.. ويغلق أبوابه في التاسعة صباحا!
مطار شرورة المحلي بكثافة التشجير فيه، يبدو كرئة خضراء في جسد المدينة الصغيرة التي يصفها الأهالي هنا بعروس الربع الخالي، أكبر منطقة صحراوية في العالم. لكنهم يكادون يجمعون قي قول واحد أن المطار في وضعه الحالي وبتقليص عدد الرحلات فيه منذ 3 سنوات، يكاد يكون قبضة ثقيلة تطبق الخناق على رقبة الحياة في شرورة كون موقعها بعيد جدا عن المدن الرئيسية، وخاصة الرياض التي تتوفر على المستشفيات التخصصية ومقرات الوزارات والجهات الحكومية.
وبحسب شهادات الأهالي المتضررين يقولون أن المشكلة مزدوجة مع السفر الجوي بين شرورة وأي مطار محلي أو خارجي، بسبب أنهم لا يستطيعون ترتيب حجوزات العودة إلى مدينتهم من دون قضاء ساعات طويلة في مطاري الرياض وجدة في انتظار الرحلة الوحيدة التي تقلع فجرا، والتي لا يزيد سعتها عن 66 راكب فقط عبر طائرات إمبراير الصغيرة خمسة أيام في الأسبوع، ورحلتان يومي الأربعاء والجمعة لطائرات الإيرباص 320 بسعة 120 مقعدا فقط.
وهم يؤكدون أن المطار المحلي يغلق أبوابه في الغالب الساعة التاسعة صباح كل يوم، بعد أن يستقبل ويودع يوميا ركاب رحلتين يتيمتين، لطائرتين صغيرتين من وإلى الرياض وجدة. ويتمنون أن يعاد النظر في عدد الرحلات، والتفكير بزيادة الوجهات وتوسيع دائرتها خصوصا أن شرورة يقيم فيها الآلاف من المواطنين العاملين فيها من خارج المحافظة، وهم يحتاجون وعائلاتهم إلى جداول وبرامج لرحلات طيران مرنة تراعي ظروفهم، وعدم توفر بدائل أخرى باستثناء التنقل عبر شبكة الطرق البرية وهو خيار شاق ومتعب. وللتقريب فإن مدينة نجران تبعد 350 كلم، والرياض 800 كلم، وجازان وبقية مدن المنطقة الجنوبية لا تقل عن 700 كلم. وتلك قصة أخرى.
إطار (3 )
 
محطة الكهرباء الجديدة في شرورة

شموع لمواجهة انقطاع التيار الكهربائي المتكرر في فصل الصيف
قبل أيام من دخول شهر رمضان المبارك انقطع التيار الكهربائي لمدة 20 ساعة متواصلة على معظم الأحياء السكنية في محافظة شرورة. تكرار حالات انقطاع التيار الكهربائي خصوصا في فصل الصيف، جعل الأهالي يقبلون على تخزين عبوات من الشموع لمواجهة هذه المشكلة.
وخلال اللقاءات في مجالس الأهالي والمنتديات الشبابية كان السؤال يدور دوما حول مصير المشروع الأخير لشركة الكهرباء الذي كلف خزينة الدولة نحو 350 مليون ريال لتعزيز قدرات الطاقة الكهربائية للمحافظة.
 
 
 
 
 
 

الخميس، 17 يوليو 2014

شرورة كما لم تشاهدوها من خلف كواليس الأخبار!



 
 
شرورة: عمر المضواحي
على عكس ما يشيعه البعض في وسائل التواصل الاجتماعي، خصوصا بعد أن تصدر اسمها مانشيتات الصحف وعناوين نشرات القنوات الفضائية الإخبارية مؤخرا، تبدو مدينة شرورة عبر نافذة الطائرة هادئة، وادعة، وتنمو عمرانيا بشكل متسارع وهي تزيح عن كاهلها غطاء ثقيل من رمال الصحراء المحيطة من كل حدب وصوب.
بين هذا الرصيد الهائل من الكثبان والشمس الحارقة، وبين ملامح وجوه الرجال الناطقة بالعزيمة والصمود تستشف صورا ناطقة لا تصفها الكلمات عن إيمان عميق يتجدد كلّ يوم بأن الغد أفضل من الأمس، وأن الحياة مستمرة، مهما بلغت قسوة مناخ الطقس ووعورة التضاريس.

الجميع هنا يخامرهم شعور واحد؛ أن مدينتهم الحدودية حارس أمين، نذر نفسه للمرابطة في صبر وإيمان وإخلاص كدرع حديدي في سلسلة البوابات الجنوبية للمملكة، لمواجهة الإرهاب والتطرف وعمليات تهريب المخدرات وتأمين سلامة حدود برية آمنة تمتد إلى نحو ألف كيلومتر مربع.
شرورة كما بدت من نافذة الطائرة
حيثما يممت وجهك هنا، لن تحجب عنك عوالق الغبار في الأفق الممتد، عن مشاهدة نهضة عمرانية نشطة تسابق الزمن. أحياء كاملة جديدة ومخططة على أراض صحراوية شاسعة ومنبسطة. تنبت فيها كل يوم أساسات المنازل والفلل السكنية والمباني الحكومية والمحلات التجارية على شوارعها الرئيسية والقريبة جميعها من قلب المدينة وأحيائها القديمة.
في المقابل يلفت النظر أن معظم المباني السكنية نسخت من خريطة واحدة بجميع تفاصيلها، ما جعل البيوت والفلل الحديثة تبدو كتوائم متشابهة. وربما لولا اختلاف ألوانها الخارجية، وبعض التفاصيل الصغيرة، لصعب على أصحابها الوصول إلى منازلهم الحديثة.
أسعار أغلب قطع الأراضي السكنية هنا لا تزيد عن 150 ألف ريال تقريبا لكل قطعة ارض بمساحة 600 متر مربع. وحركة الإيجارات نشطة بفضل تزايد أعداد العاملين في القطاعات العسكرية والتعليمية على وجه خاص.

الوضع العام هادئ للغاية، ولن يخالجك شعور قطّ بأن هذه المدينة تظم واحدة من أكبر قواعد القوات المسلحة، والجيش السعودي، والقطاعات العسكرية المختلفة. الشوارع والطرقات الرئيسية فيها مزدوجة ومن أربعة مسارات للاتجاه الواحد. وهي مرصوفة وفسيحة ومنظمة، تتوسطها أرصفة عريضة للمشاة مزروعة بالأشجار وأعمدة الإنارة، ومعظمها تنتهي بميادين واسعة تبرز فيها أعمال ومجسمات فنية متنوعة.
الحالة الأمنية مستقرة تماما، رجال الشرطة يجوبون المدينة بعرباتهم في شكل طبيعي، وفي المساء ينشئون على مفاصل الطرق الرئيسية نقاطا للتفتيش، بينما يقوم رجال المرور بتنظيم الحركة المرورية في الأسواق والطرقات والمواقع النشطة بحركة السير. ولن تشعر أبدا أن هذه المحافظة الصغيرة المساحة نسبيا، يقطنها أكثر من مائة ألف ساكن بحسب آخر إحصاء لتعداد السكان قبل عامين.

الشباب.. واي فاي
السمة العامة للمجتمع هنا هو ظهور غلبة العنصر الشاب وصغار السن في الفئات العمرية. معظمهم يميلون إلى المرح والضحك. الكثير بينهم يسبلون شعورهم السوداء حتى الأكتاف. يقابلونك دوما بوجه طلق وبكلمة "قوّيتوا"، ثم يمد كف يمينه مع قبلة في الهواء باتجاه أنف مصافحه.

في حواراتهم المتبادلة يرفعون أصواتهم بشكل مبالغ فيه، كما أن قيادتهم للسيارات في الطرقات يبدون في شكل عام وكأنهم على عجلة من أمرهم بالرغم من صغر المدينة وطرقاتها الواسعة والخالية عادة من الزحام.
معظم الشباب يفضلون قضاء أمسياتهم الرمضانية في جلسات عامة سواء في الحدائق والمسطحات الخضراء الجديدة، أو يتجمعون في المقاهي الشعبية مع أصدقائهم. وتناول الشاي والقهوة وتدخين المعسلات والشيشة أمام شاشات التلفزيون لمتابعة منافسات كأس العالم، أو ممارسة الألعاب الورقية "البلوت".

في الحقيقة، لا يوجد خيارات أخرى متاحة للترفيه أمام الشباب، ولولا توفر شبكات الإنترنت وأجهزة الهواتف الذكية لبدت حياتهم أكثر مللا بالفعل. وبالرغم من ضعف إشارة خدمة النّت وشبكات الواي فاي لكافة أجهزة شركات الاتصالات المحليّة، إلا أنهم قانعين بهذه النافذة المتاحة التي تجعلهم على تواصل دائم مع العالم الخارجي.
كثير منهم يتذمرون من بطء إنجاز البدائل أمام الشباب والعائلات على حدّ سواء. لازال منتزه الملك عبدالعزيز الضخم يرزح تحت أعمال الصيانة المتوقفة منذ سنوات. وباتوا يتندرون على عدد المرات التي تم فيها بناء وهدم البوابة الرئيسية للمنتزه الهائل المساحة على يسار طريق المسافر إلى مدينة نجران. وبالمشاهدة تبدو الآن عمليات نشطة لتجديد السور الخارجي للمنتزه، وزراعته بالأشجار وإنارته بالأضواء الملونة.

في المقابل، يبذل بعض المخلصين جهودهم لمواجهة هذا الواقع. هناك صالة رياضية أو أثنيتن أهلية لممارسة كمال الأجسام وألعاب الدفاع عن النفس، والسباحة، وأصحابها يشكون دوما من قلة الدعم والرعاية للمواهب الشابة في المحافظة.
رسميا، هناك نادي رياضي يتبع للرئاسة العامة لرعاية الشباب. نادي شرورة وهو مخصص لمختلف الألعاب الرياضية، ونادي خاص "القلعة" لكرة القدم فقط. كما يتوفر ميدان لسباقات الهجن الموسمية.

وتنشط بلدية شرورة حاليا في إنشاء ملاعب رياضية عامة ومسطحات خضراء للشباب والعائلات على نواصي الطرق الرئيسية. وتم افتتاح أول مشاريعها في مطلع شهر رمضان الجاري وتقام فيه حاليا دورة رمضانية رياضية في كرة القدم والسلة والطائرة وتشهد منافساتها إقبالا كثيفا من الأهالي في ليالي رمضان المبارك. 

نساء بلا ترفيه
تبدو خيارات الترفيه البريء للنساء والعائلات هنا أقرب شبها بجغرافية المدينة. ويمكن القول إن هذه الخيارات نادرة كندرة الماء والأشجار في الربع الخالي. مدينة شرورة في ظاهرها تكتسي بطابع ذكوري بلا شك، وربما ليس أمام العائلات سوى التوجه إلى أحد ثلاثة مراكز تسويقية مغلقة وخاصة للنساء فقط. وهي تتوفر على محلات تجارية متنوعة إلى جانب أقسام مخصصة للألعاب الكهربائية للأطفال، أو الذهاب إلى منتزه ترفيهي عال الأسوار مخصص بالكامل للملاهي والألعاب الكهربائية للأطفال والنساء فقط.


ملاهي للألعاب الإلكترونية في المنتزه النسائي الوحيد في شرورة
والمثير للدهشة أن جميع المراكز النسائية المغلقة تشترط منع اصطحاب الأطفال الذكور فوق سن السادسة من العمر برفقة أمهاتهم، مراعاة للتقاليد المحلية السائدة. ولا يعلم إلا الله والراسخون في العلم ماذا تفعل العائلات التي رزقت بأبناء ذكور تجاوزوا سن السادسة, لا بد وأن الآباء هم الرهان الخاسر في معادلة الترفية للقسم الأنثوي في عائلته فقط.

أرقام ومؤشرات
أثناء تجوالك في المدينة الهادئة، يغمرك شعور بالسكينة وأنت تستمع لنداء الحق من مآذن المساجد الوفيرة وهي تصدح عبر مكبرات الصوت بالآذان وإقامة الصلوات والتراويح في ليالي شهر رمضان المبارك.


أحد المساجد الحديثة في حي المشعلية السكني
في كل الأحياء هنا تنشط حركة بناء لمساجد جديدة. وككل مدينة سعودية أخرى، هناك اعتقاد راسخ لدى الأهالي أن أفضل الأعمال الخيرية هو في بناء بيوت الله وإعمارها في الأرض. وهذا يبرر وجود 16 جامعا تقام فيه خطب وصلاة الجمعة، ونحو 108 مسجدا قائم حتى الآن، وهناك 8 مساجد تحت الإنشاء حاليا، وهي أرقام تبدو أنها تفيض عن الحاجة الفعلية للأحياء السكنية.
في المقابل يبلغ عدد مدارس محافظة شرورة 89 مدرسة لمراحل التعليمية المختلفة. منها 43 مدرسة للبنين، و 46 مدرسة للبنات معظمها مباني حكومية. كما يوجد فرع للمعهد العلمي التابع لجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية في الرياض الذي يوفر علومه لنحو 350 طالبا. وهناك معهد مهني تابع للمؤسسة العامة للتعليم المهني. أما التعليم الجامعي فهناك كليتان للعلوم والآداب تابعة لجامعة نجران للبنين والبنات.


مبنى فرع جامعة نجران للبنين في شرورة

السنة بسنتين
أهالي شرورة مضيافون ومرحبون دائما بالغرباء، وهم يتخلون عن حذرهم الفطري بمجردّ التعرف عليك. وهذا يفسر الشعور العام بالراحة والرضا بين المواطنين المقيمين فيها والقادمين من كافة مناطق ومدن المملكة الأخرى للعمل هنا في شرورة، ما يجعل الحياة اليومية هنا أكثر ثراء وتنوعا، وخلقت صورا رائعة للتعايش بين أبناء الوطن الواحد.

ويفضل معظم العاملين في القطاعات العسكرية المختلفة، أداء واجب الخدمة والعمل العسكري في محافظة شرورة ومراكزها لكونها تمتاز باحتساب سنة الخدمة فيها بسنتين مما يختصر سنوات العمل إلى النصف تقريبا.

شارع تجاري جديد وتظهر فيه لوحات فروع لعلامات تجارية معروفة
رفض العولمة
على واجهات محلات الأسواق الجديدة، وفي السوق القديم أيضا، بدأت ترتفع منذ نحو سنتين لوحات لعلامات تجارية شهيرة في قطاع الملابس ومراكز التسوق ومطاعم الوجبات السريعة وغيرها.

وبحسب إفادات شهود عيان، فإنه من النادر أن لا يصاحب حفل تدشين أو افتتاح متجر جديد منها بحالة من الطيش وعدم الرضى ينفذها مجموعات احتساب شبابية غير رسمية تهاجمها بدعوى شبهة الاختلاط بين الجنسين، أو لرفضهم التام لبث ثقافة العولمة وأسلوب الحياة العصرية في مدينتهم المحافظة. الشواهد على هذه الأحداث عدة، ونشرت جميعها في الصحف المحلية.

العمالة العربية والأجنبية وفيرة وتكاد تسيطر على حركة سوق العمل الخاص للمدينة. معظم البقالات ومحلات التسويق، وورش صيانة السيارات، والمقاهي والمطاعم الشعبية ومحطات الوقود وعمالة الإنشاءات ومواد البناء وغيرها، تدار بأيدي عمالة من الجنسيات العربية وخصوصا اليمنية، أو الأجنبية وخصوصا من الهند وبنجلاديش.

في شكل عام، يبدو أن شرورة تتجه إلى أن تكون نسخة أخرى لمعظم المدن السعودية المتشابهة. ليس هناك أي مؤشر لطابع يعكس روح الثقافة المحلية أو نمط حضاري ومعماري مكتسب من سمات الحياة الصحراوية وتفاصيلها الشهيرة.


مدخل محافظة شرورة للقادم من مركز الوديعة الحدودي
الحق أن الربع الخالي ظل عبر العصور السحيقة، يخفي حضارات بشرية سادت ثم بادت، وأن كلّ من يشاهد القشرة الذهبية السميكة لكثبان الرمال يدرك حتما، أنها  تخفي تحتها، لحين من الدهر،  معالم أصيلة وكنوز وآثار ربما لم يقف عليها خبراء التنقيب حتى الآن، لكن التاريخ الشفهي الذي يتناقل على السنة كبار السن والمعمرين للأجيال الجديدة، تزخر بحكايات وأسرار يمكن استلهامها لخلق شخصية عمرانية مميزة وغزيرة الدلالات لتعوض حلقات مفقودة في  تاريخ المكان والبشر الذين عاشوا هنا جيلا بعد جيل... والأمل كبير.


إطار ( 1 )
 

الشيخ سليمان الجربوع لـ مكة:

ليس منا من يرمي حجارة تطرفه في بئر استقرار وحدتنا الوطنية


الشيخ سليمان الصيعري في مجلس بيته العامر بمحافظة شرورة
في مجلس الشيخ سليمان بن صالح الجربوع شيخ شمل قبائل الصيّعر من آل محمد بن ليث، دار الحديث حول دور القبيلة في مواجهة الأفكار المتطرفة ومروجيها بين الشباب وصغار السن.
صمت الشيخ قليلا، وجال ببصره متصفحا وجوه رجالات القبيلة من حوله قبل أن يجيب: هذا الفكر الضال لم يميز بين منطقة وأخرى. إنها مشكلة لم تسلم منها منطقة عن غيرها أو مدينة عن سواها، ويجب على الجميع مواجهة هذا الفكر الخارجي المهدد لسلامة وطننا وأمن مواطنيه.

مشيرا إلى أن مجلسه أستضاف أكثر من مرة العلماء والشيوخ وأعضاء لجان المناصحة الذين كانوا يوضحون للجميع سماحة الدين الإسلامي والعقيدة الصحيحة بدون غلو أو إفراط وتفريط.

وأكد الشيخ سليمان وهو شيخ شمل قبائل الصيّعر من آل محمد بن ليث، أن مشائخ القبائل في شروره يتواصلون باستمرار مع أمراء المنطقة وكل مسئولي الجهات الحكومية فيما يعزز أمن واستقرار هذا الجزء الغالي من الوطن.
أضاف: المهم هنا، أن الجميع، وفي مقدمتهم شيوخ القبائل يضعون يدهم فوق يدّ ولاة الأمر وحكومتنا الرشيدة للأخذ معا على يد كل من يريد الشر ببلادنا الغالية. وأن من شذّ من أبناء هذه المنطقة فهو لا يمثل إلا نفسه، وأن الجميع يقفون ضدّ أفعاله المجرمة مشدد بالقول: ليس منا من يلقي حجارة في بئر أمننا ووحدتنا واستقرارنا. وكما ترى ولله الحمد، كثير من أبناء القبيلة منخرطون في القطاعات العسكرية والتعليمية والحكومية لحماية الوطن والمواطنين وأداء واجبهم تجاه دينهم ومليكهم ووطنهم. فنحن جميعا أبناء هذا الوطن ونفديه وولاة أمرنا بالنفس والنفيس، ويشهد الله أننا لم نجد إلا كل خير من الدولة حتى أصبحت شرورة في الصورة التي ترونها الآن.

وسردّ الشيخ بن جربوع قصص كثيرة عن مواقف للأمير سلطان بن عبدالعزيز رحمه الله الذي كان يزور المحافظة مرارا. مؤكدا أنه سمع منه أن حبه لشروره لا يقل أبدا عن حبه للرياض أو أي مدينة أخرى في المملكة. وشهد بأن الدولة الرشيدة لم تقصرّ أبدا في تلبية حاجيات أبناء محافظة شرورة في كل المجالات التنموية التي يحتاجونها. مؤكدا أنها تحظى بكل المميزات التي توفرها الدولة أسوة بجميع المناطق والمدن السعودية.
 
إطار ( 2 )
 

مركز الوديعة الحدودي يقطنها خمسة آلاف مواطن
بعد أن خرجنا من شرورة في طريقنا إلى منفذ الوديعة الحدودي ( 60 كلم جنوب شرورة ) كانت أحواش الإبل تنتشر على يمين الطريق بكثرة لافته. وجوار كل حوش نصب بجوارها خيام بيضاء. إنها المكان المفضل لملاكها الذين يحرصون على الخروج إليها في إجازات نهاية الأسبوع، وخصوصا في الليالي المقمرة والتمتع بالأجواء الصحراوية ومقاربة أسلوب حياة الآباء والأجداد.
الوديعة أحد المراكز الإدارية التابعة لمحافظة شرورة التابعة لأمارة منطقة نجران. يقطنها الآن نحو خمسة آلاف ساكن. معظم بيوتها حديثة البناء، وكذلك محطات الوقود التي تبدو كمجمع للأسواق تتوفر فيه كل المستلزمات والمواد الاستهلاكية للسكان والمسافرين في آن.
وتعتمد في سقايتها على بئر ارتوازية على مقربة من الطريق العام تتدلى من أنابيب مضختها خراطيم مياه لتعبئة الصهاريج المصطفة أمامها.
جبل الوديعة وعلى سفحه مقبرة شهداء معركتها الشهيرة عام 1969م.
 
 

الخميس، 26 يونيو 2014

خبير جغرافي يطالب بتعديل حدود مشعر مزدلفة إلى وضعها الشرعي الصحيح


مكة المكرمة: عمر المضواحي
في هذا الحوار يقدم الأستاذ في قسم الجغرافيا في جامعة أم القرى، والأستاذ الزائر في جامعة هارفارد  الدكتور معراج مرزا وجهة نظر جغرافية تناقش المكان الصحيح لوادي مُحَسِّر ومدى صحة الحدود الشرعية لمشعري مزدلفة ومنى في وضعهما الحالي، وسلامة أداء مناسك الحج لنحو ثلث الحجاج في كل عام على الوجه الشرعي الصحيح.
وكرر الخبير بجغرافية مكة والمشاعر المقدسة تأكيده مرارا خلال الحوار إن وجهة نظره ليست نصا مقدسا بقدر ما هي طرح جاد خصص له الكثير من الوقت والبحث للتأكد من صحة موقفه. وأن كل ما يؤمله هو مناقشة علمية وشرعية من لجنة معتبرة للوصول إلى الحقيقة المنشودة.

مشيرا إلى أن دافعه من هذا الطرح هو إبراء الذمة، وتقديم حلول عملية لأهم وأكبر المشاكل التي تواجه موسم الحج في كل عام ليس أقلها توفير مساحة تقدر بنحو 36 % من مساحة مشعر منى الحالي توفر طاقة استيعابية مضافة تقدر بنحو مليون حاج إضافي، علاوة على وضع حلّ جذري ومنطقي لمشكلة الافتراش السنوية في موسم الحج، بعد أن يعاد حدي المشعر الحرام في مزدلفة ومشعر منى المقدس إلى أمكنتها الصحيحة والشرعية حسب طرحه.

إلى نصّ الحوار... :
 

20 متر فقط!

·         ما هي وجهة نظركم حيال حدود مشعر مزدلفة الحالية؟

إن جميع المصادر العلمية تكاد تجمع أن وادي مُحَسِّر يحد مشعري المزدلفة ومنى من الغرب والشرق على التوالي. ومن خلال معايشتي لمناسك الحج ودراسة مشاعره والربط بين الحدود الحالية للمشاعر المقدسة ومنها المزدلفة ومنى، وما ورد في وصفها في الحديث الشريف وكتب الفقه والمناسك والتاريخ المكين ومقارنتها بالخرائط القديمة والحديثة والصور الجوية وصور الأقمار الصناعية والصور الفوتوغرافية لمست أن هناك حاجة ملحة لإعادة النظر في الحدود الحالية لمشعر المزدلفة من الغرب ومشعر منى من الشرق وذلك فيما يتعلق بعلاقتهما بوادي مُحَسِّر.
النقطة الإرتكازية في هذا الموضوع هي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان عندما يرسل الصحابة في سرايا أو بعوث كان ينهاهم أن يبيت الجيش في بطون الأودية خوفا من السيول المنقولة. ونفس الحالة في الحج فقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع عن الوقوف في بطن وادي عرنة في عرفات. وأيضا في وادي مرّ عندما قدم النبي مع جيشه في فتح مكة. ونفس الشيء حدث في وادي محسر بقوله في الحديث الصحيح (وارفعوا عن بطن محسر) كما ورد في منسك الإمام أحمد. وعن عبدالله ابن الزبير قال: عرفة كلها موقف إلا بطن عرنة، ولتعلمن أن مزدلفة كلها موقف إلا بطن محسر) من ذلك يتضح على الإطلاق أنه لا يجوز الوقوف في بطن وادي محسر.

المجرى الحقيقي والطبيعي لوادي محسر باللون الأزرق.


·         وما هي رؤيتك إذا عن الحدود الحالية لمشعري مزدلفة ومنى؟
الموقع المتعارف عليه حاليا لا يعدو كونه شعبا من شعاب مشعر منى، لا يتجاوز طوله عن 2 كلم وعرضه يتراوح بين 10 ـ 20 مترا فقط. وهو الذي وضعت عليه علامات نهاية مزدلفة وبداية منى دلالة على أنه وادي مُحَسِّر. وهذه المسافة ضيقة وصغيرة جدا.
أما موقع الوادي الذي أراه كباحث جغرافي متخصص في جغرافية مكة المكرمة والمشاعر المقدسة، وبعد قراءة متأنية وطويلة للكثير من المراجع والمصادر وربطها بما ذكر آنفا من خرائط وصور أقمار صناعية واستخدام برامج نظم المعلومات الجغرافية وغيرها فقد توصلت إلى أن موقع واد مُحَسِّر ليس المتعارف عليه حاليا، بل يمتد بموازاة يمين جسر الملك فيصل في منى للقادم من جهة المعيصم، ويبعد نحو الشرق بمسافة تقدر بين 50 ـ 100 متر تقريبا. بينما يتراوح عرض الوادي بين 150 ـ 200 مترا بحسب واقع المسار الطبيعي للوادي على الأرض.

وللعلم والتوضيح، جميع الخرائط التي اعتمدتها مأخوذة من مصادر حكومية الرسمية كهيئة المساحة الجيولوجية التابعة لوزارة البترول والثروة المعدنية وأمانة العاصمة المقدسة ومدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية وجميعها توضع حقيقة الوضع الجغرافي للمشاعر المقدسة. الخرائط هي التي تتحدث وليس أنا.


خطأ تاريخي

·         هنا يقودنا السؤال إلى البحث عن السبب الرئيس الذي جعل العلماء يعتمدون حدود مزدلفة في وضعها الحالي. هل هناك قول تم ترجيحه والأخذ به أمام كل النصوص التي قمتم بسردها؟
لا، وحسب معلوماتي بعد بحث وتقصي دقيق لم يقل أحد بذلك قط. وما وقع من خطأ في تحديد بداية ونهاية حدود مشعري مزدلفة ومنى أرجعه إلى أن مشايخنا وعلماؤنا الآن وجدوا أن هذه الحدود كانت موجودة منذ مئات السنين، وتم اعتمادها كما هي.


·         هل لكم أن توجزوا لنا سبب هذا الخطأ المتعلق بحدود مشعر مزدلفة من باب التوضيح؟
هذا موضوع كبير ومعقد، ويحتاج إلى مشروع آخر مع شرح مفصل وخريطة تحدد مواقع حدود المشاعر المقدسة في بداية الدولة الإسلامية في العهد الأموي. ولكني سأختصر جوابي هنا من باب فتح النقاش والبحث في أسبابه الحقيقية من خلال لجنة علمية معتبرة للوصول إلى الحقيقة والوضع الصحيح لهذه الحدود.

وما توصلت إليه، أن خطأ تحديد حدود مشعر مزدلفة وقع في بدية العهد الأموي ربما بسبب الأمطار والسيول التي غيرت بعض العلامات التي كانت توضح آنذاك حدودها. فقد قامت الدولة الأموية بوضع علامات (أميال) تحدد المسافات ما بين المسجد الحرام إلى جبل الرحمة في عرفات. وعملت الأميال المروانيّة نسبة إلى خامس خلفاء بني أمية عبد الملك بن مروان (حكم ما بين عام 56هـ ـ 86هـ) وكانت 12علامة على الطريق بينهما. وكان يفصل بين كل ميل وآخر (مسافة 2 كلم تقريبا) فقد كان الميل الرابع مثلا عند جمرة العقبة في منى، والخامس كان خلف قرن الثعالب، والسادس كان في بطن وادي محسر ويبدو أنه ضاع أو طاح أو اندثر بفعل السيول وبقي الميل الذي يقع وراء قرن الثعالب.
وعندما جاء المؤرخ أبو الوليد الأزرقي (توفي عام 250هـ) وهو أقدم ما وصلنا إلينا من كتب عن تاريخ مكة المكرمة قام ـ كما أقدر ـ بنقل حدود المشاعر المقدسة استنادا إلى تقرير حكومي في ذلك الزمان وضعته اللجنة التي رفعت القياسات ووضعت شواهد الأميال والعلامات، وليس كما جرت عادة الأزرقي والمؤرخين من بعده بالنقل عن شهود ورصد شهادتهم في كتبهم.

فوجد الأزرقي أن هنا علامة (جمرة العقبة) وهناك علامة (قرن الثعالب) والذي يأتي عندها وادي محسر الحالي. فقال خطأ إن هذه حدود مشعر منى. وقام بذرع المسافة بينهما واعتمادها في تاريخه وقال: " وحدّ منى 7 آلاف ذراعا" بين العلامتين (الميلين) ووقع اللبس في ظني بسبب ذلك، واستمرت هذه المعلومة الخاطئة من ذلك الزمان وحتى اليوم.

لكن علينا هنا أن ننظر إلى موقف الفقهاء الذين أكدوا في كل مصنفاتهم وكتب المناسك أن (جبل) قزح هو آخر مزدلفة، وساقوا الأدلة التي تصف بشكل دقيق مكان وادي محسر وحدود مشعر مزدلفة. ولم يعتمدوا على أقوال الأزرقي والمؤرخين من بعده، كما فعل الآن مشايخنا في هذا العصر الذين استمروا بإقرار من سبقهم بالأخذ بقول الأزرقي والفاكهي وغيرهم.




·         هذا يعني أن الوضع الحالي لحدود مشعر مزدلفة غير صحيح، وأن مزدلفة متمددة داخل حدود مشعر منى؟
نعم، ولابد من الإشارة إلى أنه ليس المقصود من هذا الطرح هو زيادة مساحة منى على حساب مساحة المزدلفة, وإنما هي قضية علمية وأمانة يجب أن تذكر ومن ثم تخضع للمناقشة من قبل أهل العلم والتخصص. وإذا ما جرى اعتماد مجرى وادي مُحَسِّر الحقيقي الثابت في النصوص والمطابق للواقع الجغرافي على الطبيعة الذي اطرحه فإن ذلك يساعد على زيادة مساحة مشعر منى الحالي  بنحو 36% من مساحته الآن.


طريق رقم 2

·         لكن هنا كلام خطير يا دكتور. بمعنى أن كلّ حاج تجاوز حدود مزدلفة وبات ليلتها في المساحة التي حددتها بـ 36% من حدود مشعر منى، يكون قد جرح واجبا من واجبات الحج لا يجبر إلا بدم؟.
نعم.. وهذا ما أتخوف منه، لكنها مسألة يفصل فيها هيئة كبار العلماء وأهل العلم الشرعي. الواقع في مواسم الحج يؤكد أن هناك نسبة كبيرة من الحجاج تنفر من صعيد عرفة عبر طريق رقم (2) وتتجه إلى مشعر منى مباشرة من دون الدخول إلى حدود مزدلفة (التي تطرحها رؤيتي) بشكل كلي وقاطع. وهذه مسئولية تحتاج إلى نظرة معتبرة من أهل العلم الشرعي.

وأؤكد مجددا، رفعا لأي لبس في فهم ما أطرحه، أن ما أعرضه هنا هو رؤية جغرافية لا شرعية قاطعة، وأزعم أننا إذا قمنا باعتماد هذا الحل الذي يتماشى مع طبيعة الأرض وحدود الوادي الحقيقية فإن مساحة منى تزيد بهذا القدر، وتبقى مساحة مزدلفة في حدودها المعتبرة شرعا. وكما هو معلوم مناسك مشعر مزدلفة متحركة لا تلزم استقرار بشري لجميع حجاج الموسم، وليست لها صفة الثبات في وقت واحد كمناسك الحاج في عرفة ومنى التي تستوجب ذلك. إضافة إلى أنه لا أرى مشكلة فيما لو صغرت مساحة مزدلفة طالما أنها في الحدّ الشرعي لها، لأن المذاهب الإسلامية فيها أكثر من رأي في هذه المسألة. منها حط الرحال كما عند مذهب مالك. وفي رأي آخر إلى بعد منتصف الليل، وثالث حتى يغيب القمر، ورابع حتى تصلي الفجر كما في مذهب أبي حنيفة النعمان.

·         هل يعني كلامك أن تنفيذ مشاريع تطوير المشاعر المقدسة كانت تتم من دون وجود لجنة علمية وشرعية معتبرة قبل البدء في تنفيذها؟
حقيقة لا أعلم إن كانت هناك لجنة من عدمه في مشروع مزدلفة. الوضع الحالي يؤكد أن تنفيذ مشاريع المشاعر المقدسة تمت بدون أي إشراف من جهة شرعية أو علمية. وهذه الأخطاء لا يتحملها مهندسي التصميم والتخطيط بل الجهة المشرفة على التنفيذ. وقناعتي أنه يجب قبل الشروع في تنفيذ أي مشروع يتعلق بمكة أو المشاعر المقدسة أن يتم كما كان العمل به سابقا في توسعة الملك سعود للحرم المكي الشريف. حيث كان العمل حينذاك يتم تحت إشراف لجنة علمية شرعية تحدد وتضع رؤيتها لكل جزء في المشروع لتكون الشركات المنفذة على بينة من أمرها عند تنفيذ الخرائط الهندسية منعا للخطأ أو الالتباس.


·         هل قمتم برفع رؤيتك هذه إلى المقام السامي، أو أي جهة حكومية رسمية كوزارة الحج أو أمارة منطقة مكة؟.

لا، لم يسبق لي أن عرضت هذا البحث إلا في لقاءات علمية، لأنه يحتاج إلى قرار شرعي وحكومي رسمي. أول ما تم تقديم هذه الورقة في ندوة الملتقى العلمي السنوي لأبحاث الحج في موسم العام 1426 هجرية بحضور الأمير عبدالمجيد بن عبدالعزيز رحمه الله وعدد من العلماء والمختصين، بعنوان "وادي محسر بين الواقع والحقيقة وجهة نظر جغرافية". ثم أعدت المحاضرة مرة أخرى في عام 1430هـ في حضور أمير مكة السابق الأمير خالد الفيصل في مدينة جدة وفي المرتين شعرت أن هناك اهتماما بالموضوع ولكن لم يحظى بأي متابعة أو استجابة حتى الآن.
 

هيئة كبار العلماء

·         هل وجد طرحكم أي اهتمام من العلماء الذين حضروا لمتابعة المحاضرة في المرة الأولى أو الثانية؟
نعم لقد علق على المحاضرة عضو هيئة كبار العلماء فضيلة الشيخ الدكتور عبد الوهاب أبو سليمان بقوله: "إن العرض الذي قدمه د. معراج يحتاج إلى اهتمام للنظر فيه بدقة. وأن تتكون لجنة علمية وشرعية تضم علماء في الشريعة والجغرافيا وجيولوجيين ومهندسين للجلوس مع المحاضر للنقاش معه حول ما طرحه".


·         هل تفاعلت معك هيئة كبار العلماء.. وهل وصلت لهم نسخة من محاضرتك؟
لم يحدث للأسف. وأتمنى أن تهتم هيئة كبار العلماء بطرحي وتأخذ فيه قرارا بعد تكوين لجنة شرعية وعلمية متخصصة للمناقشة. أنا مستعد لمناقشة أي شخص حول هذا الموضوع. ويعلم الله أنني لا أدافع عن وجهة نظري إنما أعرضها عرضا أمام الجميع. إذا سلم بما طرحت فيها فالحمد لله، وإذا حدث العكس فلا غضاضة أن يقال لي يا معراج كلامك خطأ.

الموضوع بالنسبة لي أمانة ثقيلة أود أدائها وإبلاغها للمسئولين وولاة الأمر. ولا أطلب أبدا القناعة برأيي، بل برأي اللجنة العلمية بعد مناقشتها معي.


·         هل طرحكم يحتاج إلى تكلفة هائلة لتغيير حدود المشاعر خصوصا بعد تكامل مشاريع التطوير فيها كما هو مشاهد الآن؟
على العكس إطلاقا. كل ما نحتاج إليه الآن هو تغيير مواقع لوحات تحديد مشعر منى عن مزدلفة والعكس تقديما وتأخيرا فقط لتكون في حدودها الشرعية الصحيحة. إضافة إلى أن هذا التصحيح سيوفر مزايا إضافية ليس اقلها توسعة مشعر منى لاستقبال مليون حاج إضافي في كل عام.


·         ما هي المصالح المترتبة على الأخذ برأيك في هذه المسألة؟
مصالح كبيرة فيما لو أتضح صوابية الرأي الذي أطرحه. أولا: هناك واجب من واجبات الحج يتم التحقق منه لسلامة أداء النسك على الوجه الشرعي. الآن هناك حجاج يؤخذون على حين غرة بجهلهم بمسألة الوقوف في مزدلفة ومنى. ومن عرف منهم يخرجون للافتراش على جسر الجمرات. وهذا الأمر يحل في رأيي نسبة كبيرة من مشكلة الافتراش في الحج. بل أزعم أنه سيقضي عليها بشكل شبه كامل. كما يمكن استغلال مساحة 36% لإسكان الحجاج وهم مطمئنون إلى أنها من منى وليس مزدلفة. وأرى أن هذا الحلّ العلمي الجغرافي يوضح حقيقة حدود المشاعر المقدسة ويقدم حلا مناسبا يجب استغلاله لتحقيق هذه السعة المطلوبة.



إطار (1)

صورة توضح بقايا أحد سدود الحجاج الثقفي على القطع الصخري للجبل في أعلى روافد وادي محسر.


سدود الحجاج في أعلى الوادي دليل أيضا!

يؤكد د. معراج مرزا أنه كان في أعلى شرق وادي محسر من جهة المعيصم سدين للمياه كانت تعرف بسدود الحجاج بن يوسف الثقفي، قام ببنائها في العام 74 هجري.

للأسف اندثر السدّ الأول عندما أنشئ بالقرب منه مجزرة المعيصم. وبقي جزء من السدّ الآخر واضحا حتى الآن، رغم أنه تم تكسيره لفتح شارع في وسطه يؤدي إلى مرمى نفايات خلف الجبل!.
المهم هنا، علينا أن نتساءل لماذا وضع الحجاج الثقفي هذه السدود هنا على الرغم من أن مزدلفة ليست مكان للزراعة، بل هي المشعر الحرام؟. الجواب الوحيد هو أنه كان يسعى لحماية الحجاج فيما لو سقطت أمطار في موسم الحج وسالت شعاب جبلي ثبير والأحدب على وادي محسر مما سيقطع طريق الحجاج أثناء عبورهم موقف مزدلفة في اتجاههم إلى منى.




إطار (2)
 
صورة توضح إزالة ردم وادي محسر لتنفيذ مشروع تصريف السيول
وتبدو عبارة قديمة لتصريف المياه في مشروع سابق

أمطار وسيول جارفة عام 1991 كشفت مجرى وادي محسر الأساسي والطبيعي

يتذكر د. معراج مرزا انه في بداية شهر يناير العام 1992م هطلت أمطار غزيرة على المشاعر المقدسة وتحولت يومها مزدلفة كلها إلى بحيرة ماء، بسبب قيام الشركات المنفذة لمشاريع تطوير المشاعر في وقت سابق بردم مجرى السيل (وادي محسر) وتخصيصه لإنشاء مواقف للحافلات المخصصة لنقل الحجاج.
ما يحسب للسيول تلك المرة أنها كشفت للعيان وبشكل واضح موقع مجرى وادي محسر الأصلي، وليس الذي عليه الآن عند علامات حدود بداية ونهاية مشعري مزدلفة ومنى. بعدها استفاقت الجهات المسئولة عن مشروع مزدلفة، وعملت الدراسات والتصاميم الهندسية للمشروع. ويأبى الله إلا أن يكون التصريف الجديد في مكان مجرى الوادي الحقيقي.

وبالفعل تم تنفيذ مجرى للسيل تحت الأرض على شكل قناة صندوقية ضخمة من الخرسانة من بداية وادي محسر شرقا في المعيصم إلى نهايته غربا. وهذا يؤكد كلام الفقهاء الأولين من أن "واد محسر وادي برأسه".

وبالصدفة المحضة، أسعدني الحظ بأن أكون في إحدى الطلعات الجوية لمراقبة تنفيذ المشروع، وتأكدت من أنه أقيم في نفس مجرى الوادي الأساسي والطبيعي وقمت بتوثيق ذلك في صور فوتوغرافية (صورة رقم؟).
لكن من المؤسف إن عدم تعديل وضع علامات حدود مشعري مزدلفة ومنى في مكانها الصحيح، بعد تنفيذ مشروع تصريف مياه السيول، يؤكد أن كل الجهات لا زالت تؤمن أن وادي محسر هو في الوضع الحالي (الخاطئ) والذي لا يتجاوز عرضه عن 20 مترا فقط. ويبدو أن هذه قناعات ثابتة، بدليل أنهم عندما نفذوا القناة الصندوقية لتصريف السيول لم يخطر لهم التفكير أبدا أنهم يعملون في مجرى وادي محسر الحقيقي!.