الخميس، 30 يناير 2014

السرّ في ماء البئر و حصرّ مكانه وتحديد زمن حفره يقطع الشك باليقين


نقاش حول بئر طوى.. أشهر آبار مكة بعد زمزم المقدس


من أقدم الصور لبئر طوى في مكة.. عندما كان مغتسل بارد وشراب.
 
بئر طوى بعد أن بقي وحيدا تحيطه ورشة أعمال حدادة لمشاريع التطوير في المنطقة المركزية في مكة. 

مكة المكرمة: عمر المضواحي

كان بئر طوى أول الحاضرين باسمه ورسمه وتاريخه العريق، فيما مبناه العتيق يقف وحيدا في ظلام دامس على بعد نحو عشرة أميال الى الغرب من خيمة النقاش في معهد أبحاث الحج. يبد وكأنه ينتظر في صمت قديم، نتائج جولة نقاشات ساخنة حول أصله وفصله ومشروعية وجوده في وادي ذي طوى إثر دراسة تاريخية لإحيائه من جديد نفذها فريق علمي يتقدمهم عميد شؤون المكتبات في جامعة أم القرى وأستاذ التاريخ والآثار د. عدنان بن محمد الحارثي الشريف.
في عدد الأمس الأربعاء (29 يناير 2014) أستعرضنا ردّ أ. د. معراج نواب مرزا الأستاذ بقسم الجغرافيا بجامعة أم القرى والأستاذ الزائر بمركز التحليلات الجغرافية بجامعة هارفارد الأمريكية، على د. عدنان الحارثي إثر نتائج دراسة تاريخية لإحياء بئر طوى. وقدم شرحا ضافيا بالصور والخرائط يرجح ثبوت مكان بئر طوى الحالي جغرافيا وتاريخيا يدعمه شواهد وأدلة البحث العلمي والتواتر المحلي لأهل مكة.
في الجزء الثالث والأخير نختم بسردّ النقاشات التي أعقبت ورشة العمل مع ردود د. الحارثي عليها، الى جانب نبذة عن بئر طوى المكان والمكانة...
 
مغتسل الأنبياء

بئر طوى ليس أشهر آبار مكة بعد بئر زمزم المقدس فحسب، بل ينظر إليه أهالي البلد الأمين أنه صحابي جليل يروي لمن تفيأ ضلاله حقائق قصصه القديمة مع سبعون نبيا أناخوا مطاياهم في حماه الطاهر، وسقايته لجيش فتح مكة وتشرف ماءه بغسل جسد آخر الأنبياء مرارا وتكرار في كل مرّة عاد فيها يتيم مكة الى مسقط رأسه الشريف صلى الله عليه وسلم.
في السنتين الأخيرة، أحاطت قرون الحفارات والبلدوزرات البئر العتيق من كل جانب. وظل الهدم والطمس والإزالة يعمل في كل جبل وبيت وشجر حوله حتى عاد أبطحا كما كان في خلقته الأولى. كان البئر يبلّل الأرض من حوله خوفا من قطيع المجنزرات الهادرة بوعيد العدم والفناء. ولولا مدد من الله وعنايته لبات مآل بئر طوى، كما نال أكثر مواقع مكة النبوية في وادي إبراهيم، أثرا بعد عين حتى تقوم الساعة!.

سومو مكيّة!
كانت ورشة عمل مناقشة دراسة تاريخية عن إحياء بئر ذي طوى أشبه بحلبة مصارعة يابانية تقليدية، تظهر الاحترام والتقدير لكفاءة الخصوم، وثقل معلوماتهم وحججهم الدامغة، في تدافع مظن بين كرّ وفرّ ليبقى صاحب الدليل العلمي الأقوى والحجة البيّنة الغالبة، الى حين ظهور بطلّ آخر يملك الكفاءة والدراية وحبس الأنفاس!.

وقف د. عدنان الحارثي كأبطال رياضة السومو متحفزا في زاوية التاريخ ينثر ملح نتائج دراسته وبحثه في وجه ما وقرّ في قلوب كل الناس وصدقوا أنها حقائق ثابتة لا ريب فيها. في المقابل كان الأستاذ الدكتور معراج نواب ميرزا يقف بقامته العلمية المشهودة في زاوية الجغرافيا يتلو تعاويذه وهو يحمل حزام الأفضلية في علومه التي لم ينازعه عليها أحد بين أخشبي مكة.

في الساعة الثامنة والنصف من مساء يوم الثلاثاء 21 صفر 35 الماضي كانت ملامح الدكتور عدنان الحارثي رئيس قسم الآثار في جامعة أم القرى بالكاد تظهر وهو يقف تحت ضوء خافت على منصة خيمة اللقاءات العلمية في مقر معهد خادم الحرمين الشريفين لأبحاث الحج يستعرض على لوحة مضاءة شرائح عرض تلخص دراسته الجديدة.
كان واضحا أن الباحث الدؤوب في تاريخ وآثار مكة المكرمة أستعد جيدا لورشة عمل ساخنة، وجولات نقاش حامية الوطيس مع نظراءه المتربصين لكلّ كلمة سيتفوه بها ليصطادوا له أي خطأ أو هفوة أو غفلة. كانت عينا د. الحارثي مرهقتان وتلمعان خلف زجاج إطار فضي صقيل وهو يرمق أثر معلوماته المحققة، واحدة تلو أخرى، على مسامع الحضور الى أن أعلن في أسى ظاهر: أيها السادة؛ للأسف الشديد أبلغكم أن بئر طوى الحالي ليس له أصل يؤكد أنه مغتسل النبي صلى الله عليه وسلم ولم يثبت ذلك عندي بالدليل العلمي في شكل قاطع!.
د. عدنان الحارثي يستعرض دراسته التاريخية لإحياء بئر طوى


د. معراج يحتج على نتيجة الدراسة التاريخية لإحياء بئر طوى
كادت يدا د. معراج تلامس سقف الخيمة من فرط احتجاجه على هذه النتيجة الصادمة. وكان أول من رمى قفازه على حلبة النقاش والردّ المدعوم بالنصوص التاريخية وخرائط المواقع الجغرافية والمصورات الجوية القديمة والحديثة في شكل أراح غالبية الحضور الذي كانوا يخشون أن يزال بئر طوى استنادا الى طرح المؤرخ الشهير د. عدنان الحارثي.

الشريف الحارثي قامة علمية مرموقة، وهو باحث جاد أصدر العديد من الكتب والدراسات والأبحاث عن آثار مكة وشواهدها التاريخية. يعتنق دوما في منهجه ومسلكه العلمي صرامة العالم الجاد وبذل الجهد المخلص للوصول الى حقيقة المعلومة والتثبت منها ثم عرضها كما هي بغض النظر عن أثرها وفعلها لدى المتلقين.

والحق يقال أنه طوال 30 دقيقة من عرضه لدراسته التاريخية المثيرة لم يبدو لوهلة أنه يسرد رأيا خاصا به بقدر ما ظهر حرصه على توثيق كل كلمة ومعلومة من مضانها في بطون عيون أمهات كتب الفقه والحديث والسيرة والرحلات فضلا عن أسفار تاريخ مكة والمراجع المحققة لآثارها وأوابدها الخالدة.

في المقابل كان أ. د. معراج مرزا راسخا في العلم كعهده دوما في كل ما يتعلق بتاريخ وجغرافيا أم القرى، وقدم أدلة وشواهد لا يمكن غض الطرف عنها واعتبارها أقرب الى الصواب بما قدمه من إسقاط للمواقع التاريخية على معايير الجغرافيا الثابتة والصارمة، مستندا الى خزائن ذاكرته ومذكراته التي بذل عمره في جمعها وتوثيقها في كتب وأطالس هي الأكثر اعتمادية في العصر الحديث.

الاستنتاج أم الأدلة العلمية؟!

د. عبدالعزيز السروجي

د. عبدالعزيز السروجي عميد معهد أبحاث الحج في جامعة أم القرى في مكة المكرمة سارع الى التقاط الميكرفون ليوضح للحضور قبل بدء المناقشة تحديد المعايير العلمية لها لإثراء النقاش وتبادل المعلومات والمعارف بين الجميع. وقال: من المهم أن نتفق أولا على منهجية في النقاش والردّ على ما طرحه د. الحارثي. علينا أن نختار أولا هل نعتمد اثبات آثار النبي صلى الله عليه وسلم بالاستنتاج والمنطق والعواطف، أم ننحاز الى الأدلة وفق المنهج العلمي؟. لابد هنا من اختيار واحد؛ حتى يكون حديثنا مبنيا على قاعدة مشتركة.

أضاف: إذا كان الحديث سيكون على الاستنتاج فسندخل في جدل ونقاش عقيم لأن الاستنتاج البشري يختلف من شخص لآخر كونه مبنى على معطيات مختلفة، وسيقودنا الى نتائج مختلفة تماما. لكن إن كنا نبني على أدلة علميّة، فحتما سوف نصل الى نتيجة واضحة للجميع. فالإثبات والنفي لآثار النبي صلى الله عليه وسلم يفترض أن يكون هما مشتركا وهدفا واحدا للجميع هنا.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ النقاشات

المناقشون ردا على د. الحارثي:

السرّ في ماء البئر.. و حصرّ مكانه وتحديد زمن حفره يقطع الشك باليقين

( 1 )
أ. غسان نويلاتي.
 
تحديد الخيزران واختبار عمر البئر

أ. غسان نويلاتي باحث وصاحب دار المكيّة للنشر:
أولت السيدة الخيزران أم الخليفة العباسي هارون الرشيد اهتماما كبيرا بأماكن النبي صلى الله عليه وسلم في مكة المكرمة، وأقامت عليها شواهد ومساجد ومن بينها بئر طوى بحسب ما أثبته المؤرخ الصباغ، وهو قبل الأزرقي بنحو مائة عام، وأكدّ أنها جعلت مسجدا أيضا على بئر طوى.

وبالتأكيد أنه كان للخيزران لجنة شرعية وعلمية خاصة حددت لها بدقة مكان البئر في طوى لتبني عليه مسجدا. كما فعلت في غيره من الأماكن النبوية في مكة، وأستطرد بالقول: لكننا نستغرب مع المحاضر لماذا لم يرد ذكرها في المصادر القديمة التي استندت عليها الدراسة.

وطالب النويلاتي أن يقوم المعهد باختبار البئر والكشف عليه جيولوجيا لتوضيح ما إذا كان بناء هذا البئر إسلاميا مبكرا أو جاهليا قبل الإسلام. فإذا كان طويه طيّا جاهليا يجب أن يوضع ذلك في الاعتبار. كما ينبغي علينا التساؤل هنا؛ لماذا خصت هذه البئر باسم طوى عن دونها من الآبار المحيطة؟.

ردّ د. عدنان الحارثي: نعم عمارة الآبار لا تتطور بشكل سريع. وأتفق معك بوجوب اختبار البئر واخضاعه لمشروع دراسة معمارية يقوم بها أهل الاختصاص من علماء الآثار والجيولوجيا وغيرهم. ولكن إذا ثبت أن بناء هذا البئر كان جاهليا، فهل هذا يعني أن الرسول صلى الله عليه وسلم اغتسل فيه، وأين الدليل على ذلك؟!.

( 2 )

أ.د فوزي ساعاتي أستاذ التاريخ في جامعة أم القرى في مكة المكرمة.

طوى وبنو إسرائيل.. ويوم الفتح

د. فوزي ساعاتي أستاذ التاريخ في جامعة أم القرى:
لو تتبعنا مسير الرسول صلى الله عليه وسلم مع جيش الفتح من مرّ الظهران الى وادي ذي طوى لوجدنا أن هذا المكان موجود قبل الإسلام وهو مكان مقدّس منذ القدم. حتى أن بنو إسرائيل عندما كانوا يأتونه، يخلعون نعالهم قبل الدخول إلى الوادي. مشيرا الى أنه يجب التحقق من يوم دخول الرسول صلى الله عليه وسلم مع جيش الفتح الى وادى ذي طوى وأناخ وأغتسل وبات فيه، مرجحا أن عشية يوم فتح مكة كان يصادف يوم جمعة وفق دراسة قام بها قبل نحو خمس سنوات.

( 3 )
د. فايز محمد صالح جمال
 

غياب الدليل العلمي لا يسقط تواتر أهل مكة

د. فائز صالح جمال كاتب إعلامي:

هناك نصوص تشير الى أن هذه المنطقة يوجد فيها آبار، وهذه نتفق فيها مع المحاضر بإشارته الى بئر ابن عنبسة، وهذه إشارة أن هناك نصوص تعزز وجود بئر اغتسل فيها النبي صلى الله عليه وسلم في فتح مكة والعمرة وحجة الوداع وغيرها. وفي تصوري أنه لا يمكن للنصوص التاريخية أن تعطينا على وجه التعيين لمكان ما مثل إحداثيات الجي بي إس الآن. عليه لابد أن نأخذ في اعتبارنا مسألة التواتر المحلي عند أهل مكة لأن مكة لم تنقطع من سكانها.
وهنا أود أن أشير الى قول للعلامة المكي د. عبد الوهاب أبو سليمان قاعدة علمية وبحثية أن المثبت مقدم على المشكك. فإذا كان مطلوبا منا أن نثبت أن هذه البئر هي التي أغتسل فيها النبي صلى الله عليه وسلم ففي المقابل نحن نطلب هنا إثباتا صريحا على أن هذه البئر ليست بئر طوى!.

أيضا علينا أن نضع في الاعتبار أن الصحابة والأمويين والعباسيين وغيرهم كانوا حريصين على تتبع مواقع الرسول صلى الله عليه وسلم فهل جاءت فترة غاب عن الناس مكان ذكرته الأحاديث الصحاح؟. أعتقد أننا في حاجة الى ربط الأحداث ببعضها حتى نصلّ الى نتيجة وفق معطياتنا من نصوص وتواتر وغيرها. وحتى لو أخطأنا في النتيجة فلا أرى مشكلة في ذلك بعد ان صدقت النيّة والعزم وبذل جهدا أكبر خدمة لتراث النبي صلى الله عليه وسلم في مكة المكرمة.

ردّ د. عدنان الحارثي: أبصم بالعشرة على كلام ومنهج أستاذنا الدكتور أبو سليمان الذي يؤكد منهجه على التواتر بالدليل العلمي وهو ما أسعى إليه. وكوني لم أثبت حقيقة مكان اغتسال النبي صلى الله عليه وسلم في ذي طوى، فهذا لا يعني أنني أنفي وجود البئر في منطقة الوادي، لكن لم يثبت وفق معطياتنا مكانه فقط. وهذا منهجي العلمي في البحث والدراسة.

( 4 )
أ. ممدوح طيب
 

الماء سرّ ذي طوى المكيّن!

ممدوح طيب باحث وموجه في قطاع التربية والتعليم في جدة:
علينا بذل المزيد من التثبت والمطالعات والمراجع المتنوعة بدلا من حصرها في سبع أو ثمان مراجع فقط. ويجب أن لا ننسى أن بئر طوى الآن على وشك أن يزال، وهناك تعاطف من الناس على بقائه، فما بالك يا دكتور لو عرفوا أنه بلا أساس توثيقي إستنادا على طرحكم، ثم يثبت بعد فترة من إزالته أنه البئر الصحيح؟.

كلّ ما أخشاه أولا أن يُفهم من طرحكم أنه حكما نهائيا بإعدام البئر القائمة، وهناك من ينتظرون مثل قولك ومن شخصية علمية اعتبارية مثلك ليسارع الى تنفيذ حكم الإعدام، وإزالة بئر طوى!.

الأمر الثاني، نحن لا نقصد المرفق نفسه، ولا موقع البئر الحالي، وإنما نقصد بالتحديد الماء الذي له خصوصية. فالنبي صلى الله عليه وسلم اغتسل في ذي طوى.. أي بالماء الذي يجري تحت الأرض ويمرّ بعدة أبيار كانت في المنطقة. والآن في وادي ذي طوى لا توجد إلا هذه البئر القائمة في المنطقة، والماء هو ذات الماء.

فإذا كان مجرى الماء واحدا فهل يأخذ الحكم بأنه نفس الماء الذي أغتسل فيه النبي صلى الله عليه وسلم؟ هنا نحتاج الى آراء خبراء في علوم الأرض لتحديد مصادر مياه ذي طوى وما إذا كان له مجرى واحد يُغذيه أم أكثر. لأن هدفنا الماء في الأول والأخير. وأستغرب هنا أن الآبار النبوية في المدينة المنورة محفوظة ومعروفة وهو مالا ينطبق على آبار النبي في مكة عدا بئر زمزم وبئر طوى.

ردّ د. عدنان الحارثي: في رأيي أن المكان الذي ينبغي الاعتناء به هو وادي ذي طوى كله وليس بئر طوى الحالي، مع تأكيدي أنه جزء من منطقة الوادي. وينبغي أن يعرف الناس أن ذي طوى هو المكان الذي دخله الرسول صلى الله عليه وسلم وأناخ فيه وأغتسل فيه، وكذلك فعل الخلفاء والصحابة والتابعين ومن بعدهم من الملوك والخلفاء وغيرهم إذا قدموا حاجين الى مكة كانوا يبيتون هنا، وهذا يعززه ويؤكده نصوص ثابتة. وأن علينا أن نحتفظ بمبنى البئر الحالي كدلالة تاريخية، ولكن لا ننسبه الى النبي صلى الله عليه وسلم دون دليل ثابت وقطعي.

( 5 )
م. أنس صالح صيرفي يناقش د. عدنان الحارثي في الورشة
 
بئر ومغتسل ومصلى للنبي يثري مشروع التطوير!

 م. أنس صيرفي مهندس معماري ورجل أعمال:
الورشة المباركة لم تكشف لنا عن تاريخ بئر طوى فحسب، بل عينت مكان مغتسل النبي صلى الله عليه وسلم وأيضا مسجد النبي في طوى وحددت ملامح وادي ذي طوى في صورة يجب اعتبارها والحفاظ عليها معا عند تطوير المنطقة لإعادة إحيائها كجزء أصيل من تاريخ مكة المكرمة وسيكون لها مردود إيجابي روحيا واقتصاديا في مشروع التطوير إذا تم مراعاتها بما تستحق من اهتمام وتقدير كونها مرتبطة بفتح مكة وحجة الوداع والسيرة النبوية وتاريخ الصحابة والتابعين ومن تبعهم الى يوم الدين.

وسؤالي هنا؛ إذا لم يصل الباحث الى تحديد موقع البئر ومغتسل النبي صلى الله عليه وسلم وإثبات مكانه، فكيف يمكن من خلال ما سرد من نصوص الوصول الى تحديد أصغر حيّز ممكن (5 آلاف متر مثلا) لمكان البئر في منطقة وادي ذي طوى التي تتجاوز مساحتها حاليا أكثر من 4 كيلو مترات مربعة، ولو بتقدير انطباعي وفق ما ظهر له في الدراسة التاريخية؟.

اجاب د. الحارثي: انطباعي الشخصي، أن منطقة دخول النبي صلى الله عليه وسلم في يوم الفتح كان من ناحية ريع الكحل (الثنية الخضراء) ورجع الى ذي طوى. وعندما دخل صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع فالصحيح أن دخل من ناحية الحجون الى ذي طوى وبات هناك. لأن النصوص التي تتحدث عن المسجد أنه في الطريق الى الحصحاص (باتجاه أبو لهب الآن) والمسجد كان في ربوة بات عليها النبي صلى الله عليه وسلم في أرجح النصوص. وانطباعي عن مكان البئر أنه كان في اتجاه أبي لهب أيضا!.


( 6 )


السيد د. سمير بن أحمد برقة يناقش د. عدنان الحارثي


كتب المناسك حددت طوى واغتسال النبي فيه

السيد د. سمير برقه وهو باحث وخبير في المواقع والآثار النبوية:
أتمنى على د. عدنان الحارثي ان يطلع على كتب الفقهاء لأن الإمام النووي وابن قدامة بعد ان ينتهوا من كتب المناسك يخصصون بابا عن الأماكن التي يستحب للحاج أو المعتمر للوقوف عليها في مكة. وأذكر أن الإمام النووي ذكر 17 موضعا في مكة، وللأسف لا يحضرني الآن إذا ما كان بئر طوى من بينها أم لا، لذا اتمنى الرجوع إليها فلربما وصلنا الى نتيجة مشتركة.

ردّ د. عدنان الحارثي: حتى أختصر هنا أقول؛ الإمام الفاسي ذكر كل الأماكن التي يستحب زيارتها في مكة في زمنه، فلماذا لم يذكر هذه البئر بينها؟. شخصيا لا أملك الجرأة أن أقول شيئا لم يثبته الإمام المؤرخ الفاسي.
 
صور من ورشة العمل:
د. معراج يناقش د. فايز جمال و م. أنس صيرفي وسط متابعة من د. عدنان الشريف
 

د. معراج مرزا يستمع لمناقشة د. سمير برقة وبينهما د. فايز جمال.
 
 
أ. غسان نويلاتي في نقاش مع أ. حسن مكاوي وسط إنتباه ومتابعة أ. ممدوح طيب.
 
د. فوزي ساعاتي يناقش د. معراج مرزا

أ. إبراهيم كلنتن يحمل كاميرته الخاصة لتصوير الورشة وتفاعلاتها

أحد الكتب التي أستشهد بها د. معراج مرزا في رده على د. الحارثي

كتاب  مهم للعلامة الدكتور عبدالوهاب أبو سليمان عن أهم أماكن مكة النبوية 
 
نقاش مليء بالتساؤلات بين د. معراج ود. سامي برهمين أمين هيئة تطوير مكة سابقا
 
 
د. عدنان الحارثي يناقش د. معراج في الطاولة المجاورة وسط متابعة الجميع.

الأربعاء، 29 يناير 2014

أكد أنها نبوية.. والدليل جغرافي بتواتر علمي ومحلي لأهل مكة


د. معراج يرد الإعتبار لبئر طوى ويؤكد صحة مكانه جواره لمسجد النبي



د. معراج مرزا يرفع يديه احتجاجا على نتيجة دراسة د. عدنان الحارثي التاريخية عن بئر طوى.


مكة المكرمة: عمر المضواحي
(خاص صحيفة مكة المكرمة)

لم يكدّ ينتهي د. عدنان الحارثي من عرض نتيجة دراسته التاريخية "إحياء بئر طوى" وإعلانه بعد بحث ودراسة أنه يخشى الله وجناب نبيه المصطفى على القول بدون دليل قطعي أنه عيّن مكان إغتسال النبي صلى الله عليه وسلم عشية فتح مكة في السنة الثامنة الهجرية، حتى علت أيادي الإحتجاج والإستنكار،
وسرعان ما سرت همهمات اعتراض مرتفعة في أروقة الخيمة، قطعها تدخل حاسم من مدير ورشة العمل الدكتور محمد إدريس وكيل معهد أبحاث الحج للدراسات، مطالبا الحضور بالهدوء والإنصات حتى تنتهي الورشة ليتاح المجال بعدها للنقاش والأخذ والردّ مع المحاضر.
. إدريس يحاول تهدئة حضور ورشة العمل.
وسارع الى تنبيه الحضور أن د. معراج نواب مرزا الأستاذ بقسم الجغرافيا بجامعة أم القرى والأستاذ الزائر بمركز التحليلات الجغرافبة بجامعة هارفارد الأمريكية سيعرض ردا مصورا ومزودا بالوثائق والخرائط والمصورات الجويّة بعد فراغ د. الحارثي من عرض دراسته التاريخية.
وقال د. إدريس: إن الإختلاف أمر جيد، ويصبّ في مصلحة الدراسة، وهو الطريق للوصول معا الى الحقائق الصحيحة. مشددا أنه يجب علينا أن نتأكد أننا جميعا في سفينة واحدة، وأن شاطئ الحقيقة وفنارها هو مقصدنا ووجهة الجميع.
صمتت الألسن، وانطوت سواعد الإعتراض، وبقيت دقات القلوب ولهاث الأنفس القلقة تُسمع وحدها وسط سكون حذر، وقابل للانفلات في أي لحظة. (فضلا راجع عدد الأربعاء الماضي 22 يناير 2014 صفحة مكيّات).

جامعة أم القرى
وطوال ساعة من الزمن تحولت ورشة العمل بين الرجلين المحترفين الى حلبة صراع فكري حول التاريخ ومناقشة علمية لمعطيات الجغرافيا في شكل بالغ الإثارة والحماس والفائدة للحضور، في شكل يؤكد نجاح جامعة ام القرى في أن تكون أروقتها وقاعاتها الدراسية صحيّة ومتميزة بالنقاشات وعرض الآراء المختلفة في إطار من الإحترام وحريّة الرأي والرأي الآخر.
 
كان أول درسّ مستفاد إصرار د. معراج مرزا على إظهار إحترامه وتقديره الجم لزميله د. عدنان الحارثي ومناقشته من مكانه بين الحضور، مشيدا بجهده وعلمه وتميزه. وقال: اوافق د. الحارثي على (سرد) المواقع التاريخية لكنني لا أوافقه على إسقاطه للمواقع التاريخية على الواقع الجغرافي فالأمر يحتاج إلى دراية جغرافية ومعايشة للبيئة. مشددا على أن "الكلمة هنا للجغرافيا وتدعمها الشواهد و النصوص التاريخية".
وقال في ثقة وحسم: بعد دراسة وبحث تاريخي وجغرافي وفحص دؤوب لكل المعطيات والخرائط والصور إن المسافة بين بئر طوى ومسجد النبي لا تتجاوز 200 متر فقط بينهما. وأرجح أن تكون البئر المعروفة اليوم "بئر طوى" هي البئر التي اغتسل من مائها الرسول عليه الصلاة والسلام في حجة الوداع وصحابته الكرام، واستمر العمل بذلك جيلاً بعد جيل حيث أن التواتر المحلي وما ذكره الفقهاء في كتب المناسك موجود وموثق. فلو كانت هناك بئر أخرى أو مكان آخر لعرفه الصحابة رضوان الله عليهم ولتتبع أثر ذلك التابعين وذكره الفقهاء.
 
حدود وادي ذي طوى بين الخطين باللون الأزرق الداكن.

 الكلمة للجغرافيا.. لا التاريخ!
في البداية أحب أن أحدد حوض وادي ذي طوى في مكة. وأنه يبدأ من أعلى شارع الجزائر (حاليا) عند المنطقة الجبلية منه مرورا الى طريق شارع الحجون ومنه الى شارع البياري ليهبط الى موقع البئر مباشرة. ويستمر الوادي جنوباً حتى ينتهي إلى قوز النكاسة مروراً بالتنضباوي و المسفلة حيث يلتقي بوادي إبراهيم. ووادي طوى أحد روافد وادي إبراهيم المنتهي مع وادي عرنة. (صورة رقم 3)
وأحب أن أؤكد هنا أن مسمى طوى يطلق على كامل الوادي من أوله إلى آخره، وليس محدداً بين الثنيتين فقط ، ثنية الحجون والثنية الخضراء. وأن ما يعرف بالثنية الخضراء هي ثنية الحصحاص (ريع الكحل)، أما ثنية (ابي لهب) فكانت تعرف بالثنية البيضاء وهي أقل إرتفاعا من الحصحاص لكنها مهدت مرارا حتى نقصت، وهي غير الثنية البيضاء التي بين التنعيم - وفخ (الزاهر).

وهناك إشارة عند المؤرخ الفاسي في كتابه (شفاء الغرام) عندما تحدث عن الآبار في مكة، تكلّم عن بئر أم النعمان عند بطن ذي طوى على مقتضى ما ذكره عن الأزرقي مباشرة. وقال: عن نافع عن إبن عمر أنه كان إذا قدم مكة نزل في ذي طوى. فلم يكن إبن عمر رضي الله عنه ينزل في غير ذي طوى كصحابي جليل، إلا لحرصه ولتتبع آثار الرسول صلى الله عليه وسلم في مكة.


جرول مسجد النبي في طوى بقبة بيضاء أقل إرتفاعا من قبة محمود المقابلة له على مفترق الطريقين (1).
مسجد النبي بطوى!

وذكر مؤرخ مكة (الفاكهي) في باب المواضع التي يستحب فيها الصلاة بمكة وآثار النبي فيها.... "ومنها مسجد في ذي طوى عند مفترق الطريقين (طريق التنعيم المتجه للمدينة عن طريق أبو لهب، والطريق الآخر الى جدة) يقابله مسجد النبي صلى الله عليه وسلم". وهذا المكان عندما شرحه محقق كتاب (أخبار مكة: الفاكهي) قال: وهذا المسجد على يمينك وأنت متجه الى بئر طوى عند مفترق الطريقين مقابل مقبرة الشيخ محمود (إبن إبراهيم أدهم أحد علماء أهل السنة والجماعة وهو من أعلام التصوف الديني قدم من بلخ في العراق الى مكة في القرن الثاني الهجري)، وقد أزيل في توسعة الشارع المذكور في حدود عام 1410هـ. وهذا الذي كان يعرف بمسجد القبة (الصورة رقم 2).

صورة هامة من د. معراج ميرزا توضح مكان مسجد النبي في طوى الذي أزيل في العام 1410 هـ لتوسعة الطريق (2)

وسمعت الليلة من أخي د. عدنان أن المسجد أقيم في المكان الذي أغتسل أو توضأ فيها الرسول، وأرى أن رأي سعادته قد جانب الصواب، بل أقيم في المكان الذي صلى فيه الرسول صلى الله عليه وسلم ، فلم تكن المساجد تقام حيث يغتسل النبي بل حيث كان يصلي صلى الله عليه وسلم كما هو معروف للجميع.
 

كتب المناسك وفضل ذي طوى
أشار د. معراج الى أن كلّ كتب المغازي والسير والمناسك ذكرت هذه البئر (طوى). وفي كل كتب المذاهب السنية الأربعة وجد أيضا ذكر للإغتسال في بئر بذي طوى.. وقال:

في كتب المناسك، عند جماعة من كبار الفقهاء على أنه "من السنة لمن أراد دخول مكة لحج, أو عمرة أن يغتسل لدخولها من بئر ذي طوى، إذا كان طريقه عليها؛ لرواية عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أراد دخول مكة اغتسل بذي طوى؛ ولأنه يدخل إلى مجمع الناس لأداء عبادتهم، فاستحب له الغسل كالجمعة والعيدين، واستحب الإمام الشافعي بئر ذي طوى؛ إتباعاً للنبي صلى الله عليه وسلم لمن سلك طريقه".
وهناك اشارات للفقهاء عن (فضل) النزول في طوى والمبيت فيه وهذا دليل ان المكان اصبح معروفاً ومتواتراً منذ فترة مبكرة للتاريخ حيث كانوا ينزلون فيه للمبيت، وفي الصباح يغتسلوا من ماء بئره ويؤدون صلاة الفجر ثم يدخلوا مكة.

وفي المذهب الحنفي نصّ على أنه إذا وصل المُحرِم أول الحَرم يستمر في التلبية والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم والدعاء "إلى أن يصل بذي طوى فيغتسل من ماء بئره أو غيره". وما رواه الصحابي الجليل عبد الله بن عمر رضي الله عنهما كما في صحيح مسلم "أنه صلى الله عليه وسلم لا يقدم مكة إلا بات بذي طوى، حتى يصبح ويغتسل، ثم  يدخل مكة نهاراً، ويذكر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه فعله". فهو محمول على الإستحباب.

ويقول العلامة أبو العباس القرطبي "ولا خلاف في أن المبيت بذي طوى، ودخول مكة نهاراً ليس من المناسك، ولكن إن فعل ذلك إقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم، وتتبعاً لمواضعه كان له في ذلك ثواب كثير، وخير جزيل". وعن نافع أن عبدالله (إبن عمر) حدثه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ينزل بـ "ذي طوى" ويبيت فيه حتى يصلي الصبح حين يقدم مكة. ومصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك على أكمة غليظة. "ليس في المسجد الذي بني ثمّ، ولكن اسفل من ذلك". وهذا يعني أن الأكمة على طرف جبل، فمن المستحيل أن الرسول صلى الله عليه وسلم أغتسل وصلى مكان غسله.

مصلى النبي في حجة الوداع
وهناك توصيف دقيق لمكان صلاته صلى الله عليه وسلم في ذي طوى "وعنه أن الرسول صلى الله عليه وسلم استقبل فرضتي الجبل الذي بينه وبين الجبل الطويل نحو الكعبة. يجعل المسجد الذي بني ثم يسار المسجد الذي بطرف الأكمة، ويصلي رسول الله صلى عليه وسلم أسفل منه على الأكمة السوداء يدع من الأكمة عشرة اذرع أو نحوها ثم يصلي مستقبل الفرضتين بين الجبل الطويل الذي بينك وبين الكعبة صلى الله عليه وسلم" رواهما مسلم. فالمسجد بني في المكان الذي صلى فيه النبي صلى الله عليه وسلم. وكان معروفا الى فترة قريبة قبل أن يزال.

رقم 1
 
صورة نادرة لمسجد النبي في طوى
كشف د. معراج عن صورة تاريخية نادرة لمنطقة جرول (الشيخ محمود – بئر طوى) جلبها من أرشيف المستشرق "سنوك هورخرونيه" في مكتبة جامعة لايدن بهولندا. وقال: كنت مؤخرا (ديسمبر 2013م) في مدينة لآيدن في هولندا وقابلت (علماء مستشرقين هناك) وأطلعت في مكتبة جامعة لايدن على مجموعة صور تاريخية نادرة لمكة المكرمة في أرشيفهم لم تنشر حتى الآن.

وقال: شخصيا أول مرة أرى هذه الصورة (رقم 1) التي يصل عمرها الى 130 عاما وهي توضح قبة الشيخ محمود وحي جرول والمقبرة القديمة ومكان قصر (حمد) السليمان الحالي، كما تظهر مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم في مكانه على مفترق الطريق الرئيسي، أحدهما باتجاه التنعيم الى المدينة المنورة عن طريق أبو لهب والآخر على طريق المؤدي عبر أبي لهب الى مدينة جدة. وهو على مفترق الطريقين الذي ذكره الفاكهي في كتابه أخبار مكة.

د. الحارثي يناقش صورة قديمة لوادي طوى عرضها د. معراج مرزا
الثنية البيضاء تثير نقاشا
أختلف الدكتوران الحارثي ومعراج على تعريف مكان الثنية البيضاء في ذي طوى. د. الحارثي يقول انه تتبع الطريق جيدا بعد إطلاعه على النصوص التاريخية، وأن الثنية البيضاء للقادم من التنعيم الى فخ وهو المعروف اليوم بالزاهر، وهذا معناه أن الثنية البيضاء الى الخلف وبين التنعيم والزاهر.


أما الدكتور معراج فيذكر موضحا أن هناك ثنيتان بإسم البيضاء الأولى بين التنعيم وفخ والثانية بين ذي طوى والزاهر(فخ) مستندا هو أيضا على ما ذكره مؤرخا مكة المكرمة الأزرقي والفاكهي.
هنا عاد د. الحارثي للتأكيد على أنه تتبع هذه الثنايا (في ذي طوى) وكتب مقالا عنها. وقال: كي ندرك ونتصور الموضوع بدقة ونطابقها على النصوص المتوفرة لدينا يستحسن أن نرجع سويا لها لمراجعتها. وقال د. الحارثي دعونا نحضر خريطة المساحة المصرية التي أملك نسخة أصلية منها لأنها توثق المسار بشكل صحيح ونتداولها في لقاء قادم بحول الله.

فيما ردّ عليه د. معراج بقوله: أوافقك على شرحك للمواقع التاريخية في ذي طوى، لكنني لا أوافق على دقة إشارتك على المواقع الجغرافية فيه. إن الواقع الجغرافي لذي طوى توضحه المصورات الجوية بدقة وهي فصلّ الخطاب في هكذا نقاش. مرحبا بلقائه في أي وقت لمناقشته وتوضيح ذلك على خرائط المواقع الجغرافية.
واختتم د. معراج مرزا مداخلته بشواهد من دراسة علمية قام بها أ. د. عبدالوهاب أبو سليمان بعنوان "الأماكن المأثورة المتواترة في مكة المكرمة" ذكر فيها منهجية البحث العلمي في الإسلام. وخلصت الدراسة الى التالي:
1)     التواتر العلمي حجة في الشريعة الإسلامية، وكذلك التواتر المحلي وهما وسيلتان قطعيتان تثبت بهما الأحكام الشرعية.

2)     التشكيك فيما ثبت بالتواتر، سواء العلمي، أو المحلي جناية مغلفة على تاريخ الأمة، وهدم لقطعياتها، بل تشكيك في الأصول التي تثبت بهما وهو أمر خطير شرعا لمن يدرك حقيقة هذا النوع من الإستدلال وأهميته الشرعية.
في عدد الغد ( الخميس ) تختم صحيفة مكة المكرمة النقاشات الثرية التي طرحت حول الدراسة التاريخية لإحياء بئر طوى وما صاحبها من ردود وتعليقات د. عدنان الحارثي وعميد معهد خادم الحرمين لأبحاث الحج د. عبدالعزيز السروجي.
جانب من نقاشات ورشة عمل إحياء طوى مع د. عدنان الحارثي

 

الأربعاء، 22 يناير 2014


د. عدنان الحارثي يعلنها صريحة:

بئر طوى ليس له علاقة بمغتسل النبي في فتح مكة! 

صورة حديثة لبئر طوى في مكة. 
 
مكة المكرمة: عمر المضواحي
(خاص بصحيفة مكة المكرمة)
فجرّ الدكتور عدنان بن محمد الحارثي الشريف مفاجأة من عيار ثقيل بإعلانه أن بئر طوى الحالي لم يثبت له بعد دراسة تاريخية علمية، استمرت نحو ستة أشهر، أنه عين مكان مغتسل النبي صلى الله عليه وسلم في وادي ذي طوى المشهور في مكة.

وكشف د. الحارثي في ورشة عمل علميّة نظمها معهد خادم الحرمين الشريفين لأبحاث الحج الشهر الماضي لمناقشته بعد تكليفه باعداد دراسه تاريخية عن "إحياء بئر طوى" أن كلمة طوى كبئر لم تطلق على بئر موجود في وادي ذي طوى في الفترة المبكرة ولا في زمن فتح مكة. وقال: كوني لم أثبت حقيقة فهذا لا يعني أنني أنفي وجودها. وهذ منهجي العلمي في البحث.

ولخص د. عدنان وهو عميد شئون المكتبات في جامعة أم القرى رأيه بعد نقاش ساخن شهدته ورشة العمل، أن المكان الذي ينبغي الاعتناء به هو وادي ذي طوى كله وليس بئر طوى الحالي فقط. معلنا تأكيده أن البئر جزء من منطقة الوادي. لكن ينبغي أن يعرف الناس أن ذي طوى هو إسم مكان الوادي الذي دخله الرسول صلى الله عليه وسلم وأناخ فيه وأغتسل فيه في الفتح والعمرة وحجة الوداع، وكذلك فعل الخلفاء والصحابة والتابعين ومن بعدهم من الملوك والخلفاء وغيرهم إذا قدموا حاجين الى مكة وأنهم كانوا يبيتون فيه إقتداء بسيرة النبي صلى الله عليه وسلم.

مشيرا الى أن هذا يعززه ويؤكده نصوص ثابتة وصريحة. وطالب أن يتفهم الجميع موقفه العلمي، مشددا على أنه من الواجب علينا أن نحتفظ بمبنى البئر الحالي كدلالة تاريخية، ولكن لا ننسبه الى النبي صلى الله عليه وسلم دون دليل ثابت وقطعي.

صحيفة مكة المكرمة حضرت ورشة العمل المثيرة، ورصدت كل أحداثها وتطوراتها، وما تلاها من جلسات نقاشات علمية مع عدد من الخبراء والمختصين في تاريخ مكة يتقدمهم د. معراج نواب ميرزا استاذ الجغرافيا في جامعة أم القرى وفي حضور وإشراف من عميد المعهد د. عبدالعزيز السروجي، ووكيله للدراسات د. محمد بن عبدالله إدريس الباحث الرئيس في الدراسة التاريخية عن إحياء بئر طوى.

في هذا الجزء المخصص لرصدّ اهم ما ورد في إستعراض د. عدنان الحارثي لدراسته في ورشة العمل، على أن تنشر في الإسبوع المقبل كامل الردود العلمية التي تصدى لها د. معراج ميرزا، ومناقشات الحضور التي تميزت باطروحات ثرية وعميقة للرد على ما توصل له الباحث في دراسته.
 
 
د. عدنان الحارثي يعرض دراسته التاريخية المثيرة في ورشة عمل في معهد أبحاث الحج 


بدأ الدكتور عدنان الحارثي حديثه بتأكيده المسبق على أن هذه الدراسة غيرت حتى مفاهيمه وتصوراته السابقة عن بئر طوى. وأنه لم يتوقع قط الوصول الى هذه النتيجة في ضوء المعطيات التي توفرت لديه خاصة بعد حرصه الاعتماد على مجموعة من المصادر الأساسية التي كانت تعنى بالنصّ كمعلومة تاريخية، إبتداء بالأزرقي والفاكهي ثم الفاسي وصولا الى العصر الحديث ومؤلفات الغازي والكردي وغيرهم الى جانب كتب الرحالة والمصادر العلمية الأخرى.

أضاف د. الحارثي وهو يشرح رؤيته على صورة خريطة تحمل مخططا لوادي ذي طوى مشيرا الى الثنية الخضراء (ريع الكحل حاليا) وثنية الحصحاص: عندما بدأنا البحث في إحياء بئر طوى بدأنا بدراسة مسار جيش الفتح، وعندما تتبعنا التفاصيل فوجئنا بالمعطيات المتوفرة لدينا. ووجدنا أن المادة تسير في مسار غير المسار الذي نعرفه بعد دخول جيش الفتح الى وادي مرّ الظهران (الجموم حاليا) ثم الى التنعيم فالثنية البيضاء، الى بطن مكة (فخ) مرورا بثنيّة الحصحاص حتى نزوله في وادي ذي طوى.


شريحة مصورة من الدراسة  تحدد دخول جيش الفتح الى وادي طوى
وادي ذي طوى
يقول: يبدو أنه مع مرور الزمن إنحصر كل مسمى الوادي في البئر الحالي فقط، بينما كان في مرحلة الفتح وما بعد ذلك الى زمن الأزرقي والفاكهي، كان ذي طوى مساحة فضاء تمتد ما بين المقبرة (الحجون) الى الثنية الخضراء (ريع الكحل) كما تمتد أرض الوادي الى ثنية كداء (ريع الرسام) أي ما يعرف حاليا بالعتيبية وما جاورها من أحياء الى مطلع الشبيكة تقريبا. وكل هذه المنطقة كان يطلق عليها ذي طوى وبالتالي فلابد وأن نتخيل من أين دخل جيش الفتح يومئذ الى الوادي.

ولأن القوات دخلت من جميع الجهات، فإن ما أميل إليه هو أنها ربما لم تدخل ذي طوى من ثنية واحدة لأن عدد الجيش كان عشرة آلاف مقاتل، بل أرجح أنها دخلت من ثنيتي الخصخاص والخضراء معا. وعندما أطمئن النبي صلى الله عليه وسلم أن القوات توزعت من ذي طوى في الاتجاهات المطلوبة وفق الخطة التي وضعت في مرّ الظهران خرج عائدا واتجه الى وادي فخ ومنه الى الأذاخر ثم ريع الأخنس (الخانسة حاليا) ثم مرّ ببئر ميمون ابن الحضرمي (في الغسالة حاليا) ثم نزل الى الأبطح.

وبعد أن استقرت القوات وفتحت مكة توجه النبي صلى الله عليه وسلم الى جبل الحجون، وهو غير الجبل المسمى الآن، بل الصحيح أنه كان يطلق على الجبل المقابل له الآن في زمن الفتح. وكان في هذا الجبل بروز (كتلة صخرية) تسمى قرن مَصّقلة وقف الرسول صلى الله عليه وسلم عليها والقى كلمته المشهورة حول حرمة مكة وبايعه أهلها هناك، ثم توجه الى الحرم الشريف.

مغتسل النبي في طوى
بالنسبة الى اغتسال الرسول صلى الله عليه وسلم في ذي طوى يقول د. الحارثي: النصوص تشير بشكل عام أنه صلى الله عليه وسلم إغتسل في ذي طوى المكان. وتشير بعض المعطيات الى أنه أغتسل صلى الله عليه وسلم في ربوة وبات عليها، وبعد ذلك كان أهل مكة يُعلّمون مكان هذه الربوة بمسجد كان يقع أمامها وللأسف لم نجد شيئا عن هذه الربوة ولا معطيات لدينا من مصادر الدراسة تؤرخ لنا عن هذا المسجد، ولم نعرف أي مسجد هو من بين المساجد الموجودة في المنطقة، كون المصادر بعد ذلك تسكت عن قول المزيد. وقد يكون مسجد ذي طوى أندثر واختفى ذكره.

أيضا، وجدنا أنه ليس لدينا مصدرا الى بئر معينة سوى نصّ واحد عن نافع ابن عمر رضي الله عنهما أنه كان إذا دخل النبي مكة أغتسل عند بئر أبي عنبسة. وقال: ويخبرنا أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم عندها دون أن يذكر أنه صلى الله عليه وسلم أغتسل منها، ولكنه يعطي إنطباعا بذلك. وهذا مؤشر قد يكون معتبرا، لكن تعرفون أننا لا نستطيع التجرؤ على مقام النبي صلى الله عليه وسلم الشريف إلا بعد التثبت والتأكد واليقين خشية أن نقع في موقع من كذب علي عامدا متعمدا. فلم نجد ذكرا لبئر (أبي عنبسة) ضمن الآبار التي تحدثوا عنها وحددوها. وحاولت أن أجد أي نصوص وبأي طريقة في كتب الرحالة أو غيرهم عن هذه البئر (رغم أن لها مؤشر واضح) ولم أجد لها أي ذكر للأسف الشديد.
النصوص التي وردت بعد ذلك، حتى في كتب الصحاح، جاء في الحديث أن ابن عمر رضي الله عنه كان اذا جاء الى ذي طوى يبيت ويغتسل. دون أن يذكر بئرا معينا يغتسل عندها. وأيضا الأزرقي والفاكهي لم يذكرا تحديدا لأي بئر معينة رغم انهم كانوا حريصون على ذكر هذه الأماكن. ولنأخذ مثالا على دقتهم وتتبعهم أنه عند الحديث عن الصفا ودرج الصفا ذكروا أن أهل مكة وضعوا علامات لموضع أقدام النبي صلى الله عليه وسلم وهو خارج من الصفا.

هذه الدقة في التتبع لم نجدها هنا (بئر ذي طوى) وهذا يعني أنه كان هناك غموض بالنسبة لهم ولم يستطيعوا تقديم شيء عنه. بعد ذلك تتبعنا كتب الرحالة الذين كانوا ايضا يتابعون هذه الأماكن باهتمام كبير مثل إبن جبير والفاسي العبدري، فلم نجد في كتبهم غير أنها تقول انهم اعتمروا في التنعيم ثم اغتسلوا وباتوا في ذي طوى دون أن يحددوا بئرا معينة أو أن هذه البئر هي بئر طوى الحالي.
أيضا نجد أن الإمام المؤرخ العظيم الفاسي وهو محقق ومدقق ومحدث ومن علماء مكة وأعيانها ورجل كان يتتبع كل معلومة ويدقق فيها نجده عندما يتحدث عن ذي طوى التي هي محل دراستنا ونقاشنا يقول نصا غريبا عن بئر فقط. فيقول بئر بذي طوى دون أن يحدد أي علاقة باغتسال النبي صلى الله عليه وسلم أو لها علاقة بسيرته صلى الله عليه وسلم لا من قريب ولا من بعيد. وأعتقد هنا أن هذه البئر حملت إسم ذي طوى، ومع مرور الزمن بات عندما يقال أن النبي صلى الله عليه وسلم أغتسل بذي طوى أعتقد الناس أنها هذه البئر وليس عين المكان.

سنجق بيك بنى البئر الحالي
ويرى د. الحارثي أن أول ظهور لاعتقاد الناس بعلاقة هذه البئر بإغتسال النبي صلى الله عليه وسلم جاء في مصنف الكردي وهو نقل عن الغازي والأخير نقل أيضا عن السنجاري وكل هؤلاء الثلاثة لو كان عندهم نص أقدم يؤرخ لهذه البئر قبل ذلك لذكروه أثناء حديثهم عنه، ولم نجد أحدهم تكلم في ذلك. فالغازي والكردي نقلوا نصّ السنجاري في مؤلقه بقوله " أنه سنة 1101 هـ أمر السنجق محمد بيك ببناء بئر طوى فبنى عليه طاجن وقبة صغيرة وبنى الى جانبه مسجدا.. الخ".

وقال: هل لو وجد الكردي وهو رجل باحث عظيم ألم يكن أجدر أن يأتي به. وهل لو وجد الغازي وهو جمّاع للتاريخ وأي نص يضيع عليك في أي موضوع من الموضوعات تجده في كتاب عبدالله الغازي القيّم منائح الكرم. وطبعا السنجاري كان يمكنه تأصيل نصّه لو وجد لهذا الامر أصلّ.

وعندما تتبعنا أخبار البئر الموجودة حاليا عند المؤرخين من المعاصرين نجد أن هناك اختلافا في الآراء أيضا. فرشدي ملحس يقول عنها أنها بئر بكار، لكن الحقيقة أن بئر بكار في الليط (حيّ الحفائر حاليا) وهي بئر أنشئت في العصر الإسلامي. وعبد الملك بن دهيش يرى أنها بئر أم النعمان في ذي طوى بحسب أوصاف البئر وما الى ذلك. وبئر أم النعمان ذكرها الفاكهي بأنها من الآبار الإسلامية بمعنى التي انشئت بعد زمن النبي صلى الله عليه وسلم.

د. عدنان الحارثي الشريف أثناء طرحه دراسته التاريخية التي صدمت نتائجها الحضور.
في نهاية عرضه، تساءل الشريف الدكتور عدنان الحارثي ماذا نفعل نحن أبناء مكة، وهذه البئر لنا، ونعتني ونهتم بأمرها كلنا. وأنا من الناس الذين يعنيهم أي شيء يتعلق بالنبي صلى الله عليه وسلم وإذا وجدت إمكانية أني أستطيع إثباته أثبته دون تردد. هناك مواقع ثابتة معروفة كمولد النبي ومولد فاطمة وبيت أم المؤمنين خديجة نبصّم على ثبوتها، وهناك أماكن أخرى كثيرة معروفة أيضا ولكنها إختفت. إنني في الحقيقة أقف هنا، ولا أستطيع أن أقول أكثر من ذلك!.
(في العدد القادم وصف تفصيلي لتطورات ورشة العمل والنقاشات والردود العلمية التي تمت خلالها.. أنتظرونا).