الخميس، 16 أكتوبر 2014

الرواق التاريخي "البديل" بثلاث واجهات فقط حول البيت العتيق!


الرواق السعودي البديل ويظهر الجانب الشرقي خاليا من الواجهة التاريخية. (صورة من معرض وزارة المالية)



مكة المكرمة: عمر المضواحي

حُسم الأمر، وبات ظهور "الرواق البديل" للرواق التاريخي حول صحن المطاف بالمسجد الحرام بعد فكه وترميمه وبدء تأسيس ورشة أعمال تسابق الزمن لإعادة تركيبه في شكله الجديد مسألة وقت لا أكثر.

طوال العامين الماضيين ظلت تصاميم ومخططات الشكل النهائي والواقع الجديد لـ "الرواق البديل" محل جدل ونقاش وشدّ وجذب في أضيق نطاق ممكن بين مختصين وخبراء ومسئولين في مكة، تترسوا معا خلف مطالبتهم ـ مقاول تنفيذ التوسعة ـ بضرورة الحفاظ على شكل وأصالة الرواق التاريخي، ومن الجهات الأربعة، صونا للقيمة التاريخية النادرة لهذا الرواق وللمحافظة على هوية الصورة الذهنية المترسخة في أذهان المسلمين، وحرصا على بقاء جمالية المكان العتيق من أي رؤية هندسية قاصرة لا تتعامل بتقدير كاف مع هوية ومسلمات المكان المقدس.

لا يعلم الا الله والراسخون في العلم ماذا حدث بعد ذلك، قبل أن يطبق مقاول التنفيذ رؤيته المعمارية المتفردة لشكل "الرواق البديل" بصورته الجديدة والنهائية حول الكعبة المشرفة، وتسقط رواق الجهة الشرقية بالكامل، من دون أي تبرير أو أسباب معلنة فتحت المجال لنقد قدرات مهندسي التصميم وضيق اختياراتهم للوصول الى حلول تحافظ على أصالة وهيئة الرواق التاريخي الذي يعود الى القرن الاول الهجري.

وبين طرفة عين وانتباهتها، طويت كل الملاحظات المعترضة، لتمضي بصمتها وغموضها المعتاد، فيما أستقر عليه أمر مقاول التنفيذ وصدقه العمل، لتعيد للأذهان من جديد، ما حاول تطبيقه في المدينة المنورة قبل عامين عندما خطط وصمم وأعلن عن (منبر بديل) و (محراب بديل) جديدين للتوسعة الجديدة بدلا عن منبر النبي وقبلته ومحراب صحابته في المسجد النبوي الشريف، وما رافقه من هرج ومرج انتهى بأمر ملكي حكيم من لدن الملك عبدالله بن عبدالعزيز حفظه الله يقضي بالتراجع عن ذلك التصميم الهندسي الصادم للمنطق والتاريخ والهوية لثاني أقدس المساجد في الإسلام... ومن هنا تبدأ الحكاية:

في يوم الأربعاء ( 9 أبريل 2014م ) انفردت صحيفة مكة المكرمة بقصة صحافية مزودة بصور حصرية كشفت عن معمل ضخم لترميم أعمدة وقباب وواجهات الرواق العثماني أقيم في أقصى مشعر مزدلفة تديره  جورسوي (Gursoy) إحدى أكبر الشركات التركية المتخصصة في الترميم لصالح مجموعة بن لادن السعودية بعد أن تولت فكّ جميع أجزاءه ( 2754 قطعة) لمعالجتها وإعادة تركيبها بعد الانتهاء من أعمال مشروع توسعة المطاف لتتسع الطاقة الاستيعابية للمطاف من نحو 48 ألف طائف في الصحن الى 105 ألف طائف في الساعة.


د. عبدالوهاب أبو سليمان يمين الصورة ود. أسامة البار وبينهما رئيس الشركة التركية التي قامت بترميم الرواق  التاريخي.

إبراء الذّمة!

في مساء ثاني أيام شهر جمادي الآخرة الماضي، كنت على موعد مع الأستاذ الدكتور معراج مرزا في داره العامرة بحي العزيزية في مكة المكرمة لمتابعة قصة صحافية تتعلق بالحد الشرعي الفاصل بين مشعري منى والمزدلفة (نشرت فيما بعد). خلال الحديث كشف د. معراج عن قيامه صباحا بمرافقة كل من معالي أمين العاصمة المقدسة د. أسامة البار، ومعالي فضيلة الشيخ عبد الوهاب أبو سليمان عضو هيئة كبار العلماء في زيارة خاصة لمعمل ترميم الرواق العثماني في مزدلفة.

كان د. معراج يومها متحفظا في الحديث، غير أنه بدا متأثرا بشدة لعدم معرفة العالم بهذا الجهد الخارق التي تبذله المملكة للعناية بأدق التفاصيل المتعلقة في مشروع توسعة وإعمار الملك عبدالله بن عبدالعزيز للمسجد الحرام.
وكشف عن أبرز ما جرى خلال الزيارة الخاصة للمعمل، وكيف أنه و د. ابو سليمان، و د. البار، توقفوا أمام عرض مصور لخرائط منفصلة توضح ثلاثة مقترحات لتصميم الرواق التاريخي بموضعه وصفوفه الجديدة. الأول؛ لرواق كامل وبصفين من القباب تحيط بالجهات الأربعة. والثاني؛ بثلاثة جهات شمالية وغربية وجنوبية من صفين من القباب، والضلع الشرقي بصف واحد فقط من القباب. أما التصميم الثالث؛ فظهر فيه إلغاء جانب الرواق الشرقي للمطاف وتركه خاليا تماما، ليصبح الرواق من ثلاثة جهات فقط!.

وإبراء للذمة، أبلغ ثلاثتهم في قول واحد، كبير مسئولي الشركة التركية بأن التصميم الأخير، غير مقبول وسيثير الكثير من الجدل فيما لو تم اختياره ومضى العمل بتنفيذه. وجددوا رضاهم بأن يكون الخيار الثاني وبصف واحد من القباب للجهة الشرقية هو الحدّ الأدنى المقبول، منعا لأي قراءات سلبية في المستقبل.

صورة لصفحة الكشف عن معمل ترميم الرواق في مزدلفة
بعد نشر القصة الصحافية عن معمل الرواق في مزدلفة، ساد صمت عميق كالعادة. لم يتحدث أحد، ولم تعقب أي جهة مسئولة للحديث عن مستقبل الرواق التاريخي. بدا الأمر وكأن هناك عدم ارتياح للكشف عن أسرار المعمل، وما يحدث داخله من عمل صالح. غير أن شهر سبتمبر الماضي حملت أيامه مفاجآت جديدة وغير متوقعة تخص موضوع الرواق الجديد!.
الواجهة الشرقية من صحن الكعبة بدون الرواق التاريخي 

لسان وزارة المالية

ضمن احتفالات المملكة باليوم الوطني الرابع والثمانون في 23 سبتمبر الماضي شاركت وزارة المالية (دون أي إعلان مسبق لمشاركتها) بجناح خاص في معرض "مشاريع متميزة في عهد خادم الحرمين الشريفين" والمقام في مركز المعارض بمدينة الرياض (بمناسبة اليوم الوطني 84 للمملكة) وضعت فيه نسخ جديدة ومحدّثة لمجسمات الحرم المكي الشريف بعد الانتهاء من مشاريع توسعته وعمارته، ظهر فيه وللمرة الأولى شكل (الرواق السعودي) الجديد، بارتفاع واضح لأعمدته وأقواسه الضخمة تحت مسطح الطواف العلوي الحديث، وكما ظهر فيه "الرواق البديل" للتاريخي ثبت أنه بالفعل لا يغطي جهات المطاف الأربعة بل ثلاثة فقط تستثني الجانب الشرقي التاريخي للكعبة المشرفة!.

 كما أظهرت مجسمات المسجد الحرام المئذنتان العملاقتان (420 مترا) في أقصى المصطبات الجديدة بارتفاع ضخم عن بقية المآذن الأخرى التي تعلوا جميعها فوق المباني الرئيسية للمسجد الحرام، وبتفاصيل أكثر وضوحا لوظائفها "الجديدة" عما عرف عن المآذن من قبل.. والتي من المتوقع أنها ستثير زوبعة سياسية وغيرها...وتلك قصة أخرى!.

تقرير صحيفة عكاظ وتصريح د. السديس
تصريح د. السديس

بعد ثلاثة أيام فقط، وفي أول يوم جمعة من شهر ذي الحجة الجاري شارك الرئيس العام لشؤون المسجد الحرام والمسجد النبوي معالي الدكتور عبدالرحمن السديس في تقرير موسع لصحيفة عكاظ عن متحف عمارة الحرمين الشريفين في مكة المكرمة بعددها رقم 4849 وتاريخ 26 سبتمبر 2014م.

كان أبرز ما جاء في التقرير تسرّيب معاليه تصريحا هو الأول من نوعه يتعلق بالشكل الجديد للرواق العباسي ـ حسب وصفه ـ  وتصوره عن تفاصيله بعد اكتمال تنفيذه، قال فيه: " أن معالم المشروع ستتضح بشكل دقيق بعد اكتمال مرحلتيه الثانية والثالثة التي تنفذ هذا العام والعام المقبل بإذن الله، وذلك من خلال الإبقاء على الرواق العباسي في النواحي الشمالية والجنوبية والغربية بعد أن يتم ترحيل الرواق الشرقي المتمم للرواق العباسي باتجاه الغرب لإفساح المجال لتوسعة مسار الطواف في الأدوار العليا، بالإضافة إلى تنزيل منسوب أرضيته إلى منسوب صحن الطواف لضمان الربط الأفقي الفعال بين صحن الطواف والقبو وانتهاء بالساحات الخارجية."

صمت المنفذ

كان منتظرا بعد ظهور صور صحن الحرم الجديد  في جناح وزارة المالية في الرياض، وتصريح معالي رئيس شؤون المسجد الحرام والمسجد النبوي في عكاظ، أن يكمل الضلع الثالث (مقاول تنفيذ التوسعة) سلسلة الرسائل المسربة حول شكل الرواق التاريخي الجديد، على الأقل لبيان أسبابه الهندسية والمعمارية التي قضت باستبعاد أهم واجهة في الرواق العباسي ـ العثماني العتيق. لكنها لم تفعل كالعادة، ولم تهتبل فرصة متاحة، وأن تستبق على الأقل أي تطورات سلبية لاحقة ربما تحرج البلاد والعباد أمام المتربصين والحاقدين في العالم.

الواجهة الشرقية للرواق العباسي قبل فكها لترميمها وإعادتها. 
ففي هذه الجهة تحديدا، يكمن مستودع ذاكرة حيّة لتاريخ عمارة المسجد الحرام منذ القرن الهجري الأول. والتي كانت تضم داخلها ما يعرف بـ "درب النبي صلى الله عليه وسلم" عند دخوله للبيت العتيق انتهاء بباب بني شيبة أمام الكعبة المشرفة. وهو الدرب الذي كان يحرص الخلفاء والملوك والسلاطين منذ القرن الهجري الأول، وعبر التاريخ على وضع أعمدتهم الموشومة بإهداءاتهم للبيت العتيق، وتخليد أيام ملكهم فيه لتكون شاهدة عبر الزمان  خلفا عن سلف!.

أ. د  معراج نواب مرزا

قراءة خاطئة

من جهته حذر الدكتور معراج مرزا من أن شكل الرواق الثلاثي "سيصبح مثار تندر عبر التاريخ!". مؤكدا على ضرورة إبقاء الصورة الذهنية النمطية لدى زوار البيت الحرام، وأن لا تحدث أي تشويه فيما لو تم إعادة بناء الرواق القديم من ثلاثة جوانب فقط".
ونبه الخبير المكيّ بعمارة الحرم الشريف الى ملاحظة أخرى رصدها خلال مشاهداته لأعمال تنفيذ أساسيات الرواق الجديد. وقال "كان الهدف المعلن من تخفيض مستوى أرض الرواق القديم إلى مستوى صحن المطاف هو زيادة الطاقة الاستيعابية له. بحيث يمكن للطائفين في أوقات الذروة من الحركة بين الأعمدة بكل انسيابية، وهذا لن يتحقق بعد إحداث الدرج داخل الرواق التي ستكون عائقا كبيرا للانسيابية، وأخشى أن يظهر للعامة وكأن الهدف من تخفيض مناسيب الرواق هو الهدم والإزالة للقديم فقط، لأن الاستفادة مع هذه السلالم في الصحن ستكون محدودة جداً".

أضاف: "كان الأولى أن يكون درج النزول من الدور الأرضي للتوسعة إلى الرواق القديم وصحن المطاف من جسم بناء التوسعة وليس كما هو المشاهد حاليا  لنعطي سعة في أرضية المطاف باستخدام أرضية الرواق للطواف أوقات الذروة كما كان معلنا قبل الهدم وإعادة البناء".


م. شقدار: تصميم الأضلاع التسعة يستحيل معه إستمرار بقاء الكعبة على يسار الطائف

م. مستشار جمال شقدار

صورة ملحقة رقم ( 1 / 3 )

المستشار في التخطيط العمراني م. جمال شقدار يؤكد على أن عودة واجهة "الرواق العباسي" للحفاظ على الصورة الذهنية للحرم المكي ضرورة فنية. ويقول: " لم يلتزم مصمم توسعة الحرم المكي الشريف بإحدى التوصيات المهمة والمذكورة في مقدمة الدراسة لفريق وزارة التعليم العالي وممثل رئاسة شؤون الحرمين والتي تنصّ على أن تكون إعادة تصميم التوسعة السعودية الأولى على غرار، وبنفس المعايير التصميمية لتوسعة الملك عبدالله بن عبدالعزيز (الشمالية) ذات التوجه التصميمي الدائري والموازي لحركة الطواف. ( تأمل الصورة الملحقة رقم 1 ).

مشيرا إلى أنه "ولسبب غير واضح لأهل التخصص العمراني أبتعد مصمم توسعة المسجد الحرام عن النسق الدائري الموازي لحركة الطواف واتجه بتصميم مبنى ذو تسعة أضلاع تحيط الكعبة المشرفة الأمر الذي يستحيل معه استمرار بقاء الكعبة المشرفة على يسار الطائف في المطاف المضلع غير الدائري كما هو مقرر شرعاً".

الصورة الملحقة ( 2 / 3 )
وكشف المستشار شقدار "كان لهذا التوجه التصميمي الغريب والمخالف لأحد توصيات الفريق المشرف وغير المتناغم مع التوسعة الشمالية للحرم المكي، تأثيره السلبي على معطيات متعددة في التوسعة ومن ضمنها عدم إمكانية عودة "الرواق العباسي" بانتظام معماري يكون واجهة لمبنى المطاف المضلع غير المنتظم".
وأوضح "بطبيعة الحال كانت الجهة الشرقية من مبنى المطاف المضلع أكثر الجهات الجغرافية تضررا من إمكانية عودة صفين من "الرواق العباسي" أو حتى صف واحد ، كون الجهة الشرقية هي المحاذية لمبنى المسعى وستكون الجهة الأضيق من بين بقية الجهات في مبنى التوسعة القادم. ( تأمل الصورة الملحقة رقم 2/3 )".

واجة مبنى مواقف سيارات للمقارنة (صورة ملحقة 3 / 3 )
وقال المستشار جمال شقدار "بعد مشاهدتي للصور الأولى لمجسم التوسعة في جناح وزارة المالية بمركز المعارض في مدينة الرياض (بمناسبة اليوم الوطني 84 للمملكة) أتضح للمختصين المعماريين ابتعاد تصميم الواجهات الداخلية لأدوار المطاف المطلة على الكعبة المشرفة عن الصورة الذهنية المعتادة للحرم المكي الشريف واقترابها تصميميا من واجهات مباني مواقف السيارات الحديثة ( تأمل الصورة الملحقة رقم 3 / 3)، الأمر الذي يدعو لبذل عناية شديدة تعيد الصورة الذهنية المعمارية لواجهات أدوار المطاف الداخلية المتعددة. ليس فقط بإعادة صف واحد على الأقل من "الرواق العباسي" في جميع الجهات للدورين الأرضي والأول، بل لابد أيضاً من وضع معالجات معمارية فنية تضمن تناغم واجهات بقية أدوار المطاف الداخلية العلوية مع الصورة الذهنية للرواق العباسي".

م. صيرفي: حكمة الملوك تبقي الرواق التاريخي

مهندس أنس محمد صالح صيرفي
المهندس أنس بن محمد صالح صيرفي يطرح رحلة سريعة عن تاريخية أروقة المسجد الحرام بقوله: "تعهد الخلفاء والسلاطين الرواق المحيط بالكعبة المشرفة بالعناية والزيادة منذ أول بناء له في عهد الخليفة الراشد عثمان بن عفان رضي الله عنه إلى أن تلاه الخليفة المهدي العباسي بتوسعته القائم عليها حالياً سنة 168هـ والتي بقيت على حالها مدة 810 سنة حتى العهد العثماني الذي شهد إعادة بناءه المتصدع وجعلت لسقفه قباب دون زيادة تذكر في مساحته".

مشيرا إلى أن الرواق التاريخي شهد مرحلة جديدة من العناية والاهتمام في العهد السعودي الزاهر, وقال "جاءت التوسعة السعودية الأولى سنة 1375هـ لتؤسس لبناء جديد متعدد الأدوار للمسجد الحرام والمحافظة بأقصى ما يمكن على الرواق التاريخي، وزادت مساحة الحرم عن عشرة أضعاف مساحته سابقا".

مشيرا إلى أن هذه الزيادة كانت "تمثل حينها أكبر تهديد لبقاء الرواق التاريخي لولا حكمة الملك فيصل طيب الله ثراه الذي أمر بالمحافظة عليه، ولولا هذا التدخل السامي لذهب الرواق ذو القيمة التاريخية مع ما ذهب من مآذن وأبواب ومعالم تاريخية قيمة أخرى من حوله".

بعد هذه اللمحة العابرة عن تاريخ الرواق التاريخي يؤكد م. صيرفي وهو رئيس مجلس إدارة مكتب الأبنية للاستشارات الهندسية في جدة فيقول "عاد الرواق العثماني مؤخراً إلى المشهد مرة أخرى بعد دراسات أكدت تسببه في ضيق المكان ووقوفه حائلا دون زيادة استيعابية الطواف وانسيابية حركته خاصة في جزأيه الشمالي والجنوبي".

وأوضح بقوله " إن الرواق واجه تهديداً أخر بالإزالة مع إعلان مشروع زيادة استيعابية المطاف قبل ثلاثة أعوام إلا أن توجيهات الملك عبدالله بن عبدالعزيز حفظه الله ورعاه بالمحافظة عليه كانت بمثابة طوق النجاة الثاني الذي حفظ هذا الإرث الحضاري المتجذر في القدم والأصالة كشاهد على تاريخ أمة وتعاقب حرصها وتشرفها بخدمة الحرمين الشريفين".

صوة نادرة التقطت في عام 1966 هج توضح أن مشكلة الرواق الشرقي كانت قائمة بعد زيادات الملك فيصل رحمه الله.

رواق مبتور

وكشف المهندس صيرفي أنه "بعد أن أوكل المقاول العام لمشروع خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز لزيادة استيعابية المطاف مهمة المحافظة على الرواق العثماني إلى شركة تركية متخصصة في الترميم والصيانة جاءت توصياتها بوجوب فكه وإعادة بنائه على أسس متينة تضمن بقاؤه لأزمنة أخرى مديدة بحول الله".

وقال "كان من أهم ميزات مشروع التوسعة الأخيرة أن جعلت منسوب البناء الجديد محاذياً لمنسوب صحن المطاف وبالتالي عودة الرواق إلى منسوبه السابق قبل رفعه عن منسوب الصحن في التسعينات الهجرية الماضية لدرأ أخطار السيول التي كانت تداهم الحرم الشريف" وهذه نقطة ايجابية في العمل.

مشيرا الى أن "إعادة بناء الرواق ستكون فرصه مواتيه لكي ينسجم في شكله مع محيط التوسعة الجديدة بخلاف ما كان سيخلفه من فراغات لو بقى في موضعه الأصلي بحسب التصميم السابق للتوسعة".

وأكد المهندس أنس صيرفي "أنه من الممكن أيضاً أن يأخذ الرواق شكلا أكثر انتظاماً بحيث يكون بعمق موحد لا يتجاوز صفين من الأروقة والقباب تحافظ على هوية المسجد الحرام التاريخية وصورته الذهنية العالقة في الأذهان على مدى القرون الماضية".

وقال "ومما يلاحظ على أحد المقترحات المعروضة لتوسعة المطاف خلو الضلع المحاذي للمسعى من أي وجود للرواق التاريخي وانقطاعه بشكل متعمد في تلك الجهة إلا انه ومهما كانت الأسباب فمن غير اللائق أو المقبول أن تعجز الحلول الإبداعية والهندسية عن اكتمال شكل الرواق وتركه مبتوراً على هذا النحو والأمل يحذونا في الخروج بحلول تضمن استمراره بصورته البهية الأولى والمكتملة بحول الله تعالى".


إطار 1


خبراء ومختصين يتساءلون:

هل واجهات رواق صحن الكعبة المشرفة تطورت أم تدهورت؟

صورة توضح أن الواجهة الشرقية بلا رواق تماما.
واجهات صحن الكعبة (أعظم وأقدٍ مكان في الأرض) تتضمن عنصرين أساسيين الأروقة التاريخية والأروقة السعودية، فهل تم تعزيز قيمة هذين العنصرين أم تم تدهورهما؟!. وهل بات الرواق التاريخي تاريخيا وأصيلا بالفعل؟. أم أن ما نراه اليوم ما هو الا نسخة مقلدة لا قيمة لها، بنيت بالخرسانة وألبست بقشرة خارجية من الحجارة فقط؟. وأيضا هل حافظ  الرواق الجديد على جماليات الرواق التاريخي القديم واحترامه للكعبة أم لا؟.
هناك أسئلة وشكوك كبيرة تحوم حول هذه الحقيقة، وغيرها بحسب خبراء مختصين في عمارة الحرم المكي الشريف، والتراث الإسلامي.

الرواق التاريخي قبل عمليات تفكيكه وترميمه وإعادة تركيبه في شكله الجديد.

أصلي أم تقليد؟!

خلال تصريحات صحافية مشروطة بعدم الإفصاح عن هويتها، كشف عدد من الخبراء والمختصين عن ملاحظات يجب الانتباه لها وتداركها قبل فوات الأوان. وقالوا: "علينا أن نطرح سؤالا جوهريا يختصر كل الحكاية، هل واجهات صحن الكعبة المشرفة تطورت أم تدهورت؟". مشيرين إلى أنه من الجدير وضع المقارنات لتتضح الصورة، وملاحظة كيف استعمل المصمم نمط " أقواس ضخمة جافة موزعة على دورين دون نسب جمالية ومقارنتها بصور للرواق السعودي الصحن قبل الهدم (والذي بني قبل ستين سنة) لنعلم هل تصميم الرواق السعودي يتطور أم يتدهور؟".

وحذروا في شكل واضح بقولهم: " للأسف، سيفتح الشكل الجديد للرواق التاريخي البديل أبواب النقد على بلادنا، بأن السعوديون يمارسون تزييفا للتاريخ". أضافوا: "نحن بين أمرين لا ثالث لهما؛ إما أن نعيد الرواق التاريخي كما كان سابقا لنحافظ على قيمته التاريخية الأصيلة، أو أن يزال تماما. لأن تزييفه لن يحظى بأي قيمة، فالنسخ المقلدة ليست لها أي قيمة في واقع الأمر". مشيرين الى أن الأعمدة التي تبنى الآن أمام الجميع في نطاق الرواق القديم في الحرم، ليست أعمدة أصلية، بل نسخة مصنوعة بالخرسانة المسلحة. وهذا لا يوافق أبدا الأعمدة المستخدمة تاريخيا  في بناء أروقة بيت الله العتيق.

أضافوا: "يمكن تشبيه ما يحدث الآن في إعادة بناء الرواق بأنه (قتل لروح وجسد الرواق التاريخي مع الإبقاء على ثوبه الخارجي فقط). وشددوا بالقول "لقد تم إزالة الرواق التاريخي، وتم تغيير مكانه ففقد اصالته ولم يحل مشكلة ضيق صحن المطاف، كما أن الرواق السعودي الجديد لم يحترم التاريخ، ولا هوية عمارة الحرم المكي، ولا حتى المنظور الهندسي الدقيق في حمى الكعبة المشرفة". مؤكدين "كان على مقاول التنفيذ أن يكون واضحا منذ البداية؛ إما أن يفصح بأن مشروع إعادة الرواق التاريخي ستكون بالنسخ الأصلية من اجزاءه بعد فكها وترميمها وإعادتها حيث كانت، أو أن يعلن للعالم أجمع أن الرواق البديل لا يمت بصلة الى الرواق التاريخي".

الشكل الجديد للرواق أعتمد على الأقواس الضخمة والمرتفعة عن سطح الكعبة المشرفة!.

أقواس ضخمة

في جانب آخر توقف الخبراء المختصين أمام استخدام مصمم واجهات الرواق السعودي الجديد للأقواس الضخمة، القائمة على أعمدة مرتفعة للغاية وتقطع هذه الاقواس (بصورة غير مناسبة) بلاطات أدوار الحرم الجديد. وشددوا في قول واحد على السلبيات الظاهرة والمتعددة للتصاميم النهائية التي أستخدمها مهندسو المقاول واستشارية في معالجتهم للرواق السعودي الجديد. وكشفوا أنها اشتملت على عدة مآخذ تؤكد أن مهندسي عمارة الحرم قبل ستون عاما كانوا أكثر حرصا من مصممي اليوم على القيمة الجمالية للبيت العتيق وعلى تعظيمه.

وفي مجال إضافي آخر قالوا: "إن أقواس الرواق السعودي الجديد ضخمة وأعلى من سطح الكعبة المشرفة، ما يعني أن المصمم لم يراعي أن هذه الأقواس سوف تخل بالمعايير النسبة والتناسب بين الكعبة وما يحيطها، بحيث أضحت هذه الأقواس الجديدة تقزم (المنظور الهندسي) للكعبة المشرفة، خلافا لما كانت علية الأروقة السعودية سابقا عندما كانت الأقواس متواضعة بحجمها، فقد كانت أنيقة ورشيقة، وتراعي بهاء وعظمة الكعبة المشرفة، بحيث أنها كانت تؤكد أن الكعبة هي نقطة الارتكاز  الرئيسة المستهدفة بالإظهار والإجلاء أمام كل داخل لبهو البيت العتيق".

وخلصوا الى القول: "أن هذه الأقواس لن تسفر الا عن صورة مشوهة، وستفقد الحرم الشريف روحانيته المعهودة، وستظهره بهوية جديدة مختلفة عما كان عليه سابقا سواء من المنظور داخل صحن الكعبة أو من المنظور من داخل الأروقة السعودية، وهذه الأقواس الغريب في نسبها لا تمت لجماليات الأروقة القديمة ولا لأروقة توسعة الملك عبدالله الشمالية للحرم والتي هما تحف معمارية، فكانما هذه الأقواس الجديدة في خصام مع التاريخ والجغرافيا، ومع المقدس".

الأحد، 28 سبتمبر 2014

الموت في مكة.. حياة!.



حكاية مكيّة عن مرقدي خديجة وميمونة أول وآخر أزواج النبي في ثرى أم القرى


مرقد أم المؤمنين السيدة خديجة بنت خويلد في شعبة النور بجنة المعلاة

مكة المكرمة: عمر المضواحي
(خاص صحيفة مكة).

...وما من بلدة في الأرض نسجت تاريخها من أساطير وغرائب الأولين، وحقائق أسفار المتأخرين، المؤكدة بآيات القرآن ومرويات السيرة النبوية، كما شهد تاريخ أم القرى وواديها المقدس عند بيت الله العتيق.

لا بدّ وأن يتوقف كل قارئ للحياة الاجتماعية (قديما) في مكة المكرمة أمام تفاصيل حكاية الموت وغواية الحياة، ويتأمل حقائقها المدهشة والمثيرة للاستغراب. كان المكيون يميلون إلى صناعة الحياة، وبث عروق زينة الدنيا ومباهجها من جذور النهايات. وكانوا يُطرّزون بها أياما معلومات في رزنامة كل شهر قمري؛ عدا أشهر موسم الحج الذي يتفرغون في أيامها لخدمة ضيوف الرحمن.

ومن اللافت والمحيّر معا، أن أهالي مكة (قديما) كانوا يشيدون من ذكرى الأضرحة وعبق الموت ودموع البكاء على أعتاب منازل أهل القبور قناطر وجسورا، ظاهرة وباطنة، يعبرون منها إلى أنس الحياة ومباهج دنيا حياتهم اليومية.

كانت قلوب أهل الله وخاصته معلقة بأستار الكعبة والحطيم. وكانت أياديهم تلهج بدعاء التوحيد ومسح الركنين والمقام. وكانت خطوات أقدامهم تراوح سيرها بالتهليل فوق حصوات المطاف وبطاح المسعى تارة، وبالتلبية بين طرقات المشاعر المقدسة تارة، وثالثة أخرى بالذِكّر والذِكرى إلى منازل السابقون في الفضل والولاية أنسا لهم واستئناسا بهم.

ومع تعدد الأماكن والمنازل وربطها بالحياة اليومية، يبدو أن المكيين كانوا يجيدون قراءة التاريخ. برواية راو أو كشف عارف، ولهم فهم خاص بأسرار الأحداث ووقائع الأيام وربطها بسلة منافع روحية ومادية. ويخضعون دوما حابل الحياة ونابل الموت في معادلة حياتهم الأزلية؛ قصص البداية وحكايات النهاية.

ومنهم ـ إلى اليوم ـ من يؤمنون حدّ اليقين أن ثمة سرّ ما يتعلق بوجود مرقدي أول وآخر أزواج النبي؛ السيدة خديجة بنت خويلد والسيدة ميمونة بنت الحارث، في ثرى مكة المكرمة دونا عن بقية أمهات المؤمنين السبع في بقيع الغرقد.

ومن هنا تبدأ الحكاية:


مرقد السيدة خديجة قديما
 
جنّة المعلاة
في طرفها الشرقي، وعند باب المعلاة القديم (محل محطة الكهرباء حاليا) كانت هناك حديقة وارفة الظل والأشجار، تعرف تاريخيا بأنها بستان عبدالله بن الزبير، تسقيها بئرا تعرف بـ "المنقوس" قيل أنها لأبي موسى الأشعري. كانت تستخدم كمنتزه ترويحي للأهالي في أيام نهاية الأسبوع.

كان أهل مكة ولا زالوا يصفون أقدم مقابرها (المعلاة) بالجنّة!. وهو وصف روتيني اعتادوا تداوله في أرض اليباس المقدس. فمكة على واد غير ذي زرع، لكنها مدينة الله والجِنان والملائكة، وتاريخها معلق دوما بتفاصيل وآيات بيّنات خصت بها دونا عن مدائن العالمين.

فمكان الكعبة المشرفة في أدبياتها المسلم بها؛ خيمة من خيام الجنة، ومقام إبراهيم والحجر الأسود من يواقيت الجنة، وزمزم نبع ظاهر لا يغور ماءه حتى قيام الساعة، وهو نهر من انهار الجنة، وأعلام حرمها تحفها أجنحة سبعون ألفا من ملائكة الجنة!.
 
مراقد شعبة النور في المعلاة تضم أجساد "المطيبين من بني عبد مناف قبل الإسلام.


دين ودنيا
بين باب بني شيبة أقدم أبواب المسجد الحرام، وجنة المعلاة 1042 مترا فقط. كانت رواحل الموتى تُحمل خفافا على المناكب والأعناق في درب يخترق وهاد ومهاد سوق المُدّعى (أقدم أسواق مكة) يعرف بدرب الجنائز، تشيعها الدعوات الصالحات، من آخر صلاة أمام الكعبة المشرفة إلى أول منازل الآخرة؛ في شعب جبلي تستقبل كلّ نواحيه الكعبة مباشرة.

يقول المستشرق الهولندي ك. سنوك هورخرونيه: "إن أهل مكة يعيشون من أجل الدين والدنيا معا". ويؤكد في كتابه (صفحات من تاريخ مكة المكرمة) إن "المعلاة في أيام الجمع هي منتزه أهل مكة، فهؤلاء لا يحضرون للحزن، بل للبهجة والسرور".

أضاف واصفا تلك الأيام: " تبقى الاحتفالات حتى منتصف الليل (...) وهناك ترتيبات أخرى للأطفال، فالطعام والشراب في متناول اليد للأطفال على طول الطريق، وأمام المقبرة هناك الساحر الذي يعرض مواهبه وحيله، وعلى الرغم من أن رجالات مكة يمنعون أولادهم من رؤية ألعاب السحر، إلا أن مثل هذه الألعاب محببة للأطفال". وقدر هورخرونيه إن جملة ما يجمعه (مقدمي خدمات الطعام والشراب والترفيه) في أيام الجمع من هذا التقليد الأسبوعي بنحو 70 ألف ليرة ذهبية!.

وكان أستاذ علم الجغرافيا د. معراج نواب مرزا قام إلى جانب زميله د. محمد محمود السرياني بترجمة وتدقيق كتاب المستشرق الهولندي في مجلدين لصالح دارة الملك عبدالعزيز عام 1999م. ومؤلفه كريستيان هورخرونيه اعتنق الإسلام ودخل مكة عام 1885م ومكث بها نحو 6 أشهر ليدون تفاصيل دقيقة عن الحياة الاجتماعية فيها، من منظوره ووفق منهجيته في التأليف والرصد لمشاهداته ومعارفه اليومية.

والحق، أن هورخرونيه ـ الذي حفظ جزءا هاما من تاريخ مكة بالكلمة والصورة ـ في كتابه القيّم أفسح مجالا واسعا لتدوين مرويات شعبية، وثقافة شفهية مكيّة، برؤية أوربية محضة، تبرز تعلق الناس بكل أثرّ ومدرّ وشجرّ لها عمق ديني أو ذكر فيما أثر عنها في روايات كتب التاريخ الإسلامي عبر مراحل عصور مكة المختلفة.

وهو ما دعا مترجمي الكتاب إلى تدقيق يومياته في شروحات مفصلة، خاصة فيما تتعلق بالعادات السائدة، واحتفالات المراقد والمزارات الدينية، وتنقيح وتصحيح ما شاب نصوص مدونات المؤلف، وعرضها على ميزان الأدلة العلمية والشرعية الصريحة، مع تقريب ترجمتها ما أمكن إلى مراعاة واقع الحال ومنهجية النشر والناشر.

ثلاث صور توضح موقع شعبة النور في جنة المعلاة
 
شعبة النور
يقول السيد د. سمير أحمد برقة الخبير في المواقع الإسلامية والتاريخية: "تقع جنة المعلاة في الشمال الشرقي من مكة في بداية طريق الحجون على يمين السالك إلى الحرم المكي من جهة المعابدة. ولا زالت حتى اليوم أكبر وأهم مقبرة فيها، تستقبل موتاهم ومن يلقى الله من الحجاج والمعتمرين وزوار المسجد الحرام خلال أداء مناسكهم المقدسة".

موضحا أنه "قد زيد في مساحة المعلاة مرارا، عرضا وطولا، خلال العقود الثلاثة الماضية، وتجد بالغ العناية والاهتمام من أمانة العاصمة المقدسة، بعد أن قيض الله لها من أهل الخير وكرام المحسنين رجالا ونساءً أشهرهم الشيخ محمد سفر رحمه الله، والسيدة فوزية بنت إبراهيم الجفالي وغيرهم ممن بذلوا وافر الجهود والأموال في حسن بناء قبورها وتنظيمها ورفع أسوارها.

مشيرا إلى أن "أهل المكانة والمعرفة يحرصون على توصيّة ورثتهم أن تكون مراقدهم وأول منازلهم في الآخرة في أكناف روضة شعبة النور بالقرب من مرقد أم المؤمنين خديجة رضي الله عنها، وكبار الصحابة والتابعين".

في كتاب "شفاء الغرام بأخبار البلد الحرام" ذكر المؤرخ المكي عبدالله الغازي أن مقبرة المعلاة لها فضل لأنها تضم عددا من الصحابة رضي الله عنهم، مستشهدا بحديث عن ابن عباس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "نعم المقبرة هذه، مقبرة أهل مكة".

وبحديث آخر عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم على الثنية – ثنية المقبرة- وليس بها يومئذ مقبرة، فقال: "يبعث الله من هذه البقعة ومن هذا الحرم كله سبعين ألف، يدخلون الجنة بغير حساب، يشفع كل واحد منهم في سبعين ألفا، وجوههم كالقمر ليلة البدر" فقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: يا رسول الله من هم قال صلى الله عليه وسلم "الغرباء". ونقل الغازي عن الشيخ خليل المالكي رحمه الله قوله: "إن الدعاء يستجاب بمقبرة المعلاة".


شعب جنة المعلاة يستقبل كل أجزاءه القبلة كاملا مستقيما بلا انحراف.
 
المعلاة والقبلة

أما أقدم مؤرخي مكة أبو الوليد الأزرقي فقد قال نقلا "عن بعض أهل العلم من أهل مَكّة ، وليس بينهم اختلاف أَنَّهُ لَيْسَ بمكة شعب يستقبل الكعبة كله ، لَيْسَ فِيه انحراف إلا شعب المقبرة ، فإنه يستقبل الكعبة لَيْسَ فِيه انحراف مستقيمًا". قال أبو الوليد: جاء من الرواية فيه ولقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم "نعم الشِّعبُ، ونِعم المَقبرة".

وذكر في كتابه الشهير "أخبار مكة وما جاء فيها من الآثار" أن الصحابي الجليل أبا موسى الأشعري رضي الله عنه، ابتنى سقيفة من حجارة على فم شعب المعلاة، ونزلها حين أنصرف من الحكمين (في موقعة صفين سنة 37 هـ) وقال: أجاور قوما لا يعذرون ـ يعني أهل القبور ـ ، وتوفي في مكة.


النبي وخديجة

وعلى خلاف مسكوت عنه، حول تحديد عين مكان مرقد أم المؤمنين خديجة بنت خويلد في مكة. فجميع كتب التاريخ والسير تتجنب ذكر مرقدها في شعب المعلاة في الحجون بشكل صريح. وتكتفي عادة بذكر أنها مقبرة تضم قبور المُطيبين من أبناء عبد مناف في الجاهلية، ومراقد بني هاشم؛ وكبار الصحابة والتابعين بعد البعثة النبوية.

غير أن عامة أهل مكة، خلفا عن سلف، يؤكدون أن الطاهرة أم القاسم؛ أول أزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وأم أولاده ما عدا إبراهيم من السيدة مارية (المصريّة)، ترقد منعمة في شعبة النور في أعلى مقبرة المعلاة. ويشهرون مشاعر الحنق والامتعاض في وجه كل من يجرؤ على إنكار هذه المسلمة لديهم كابر عن كابر.

الباحث الكويتي موسى بن راشد العازمي أمضى سنوات في تأليف سفر جديد عن السيرة النبوية عنوانه " اللؤلؤ المكنون في سيرة النبي المأمون" من إصدار دار الصميعي في الرياض (ط 1 لعام 2013م) نقل فيه: ماتت رضي الله عنها قبل أن تفرض الصلاة في الإسراء والمعراج، لكن أختلف في تعيين اليوم والشهر، فقيل: بعد وفات أبي طالب بثلاثة أيام، وقيل: بشهر، وقيل: بشهرين".

أضاف: "ودفنت رضي الله عنها الحجون في مقابر أهل مكة، ونزل رسول الله صلى الله عليه وسلم في حفرتها، ولم تكن صلاة الجنائز شرعت، وكانت مدة إقامة النبي صلى الله عليه وسلم معها خمسا وعشرين سنة، فقد توفيت رضي الله عنها ولها من العمر خمس وستون سنة، ورسول الله صلى الله عليه وسلم إذ ذاك في الخمسين من عمره".

 

إطار ( 1 )


جماعة مبادرة "معاد" خلال زيارة مرقد السيدة ميمونة بنت الحارث في حي النوارية.
 

مرقد آخر أزواج النبي ميمونة بنت الحارث: البعير وما عليه لله ورسوله فخلدها القرآن بآية!

على خلاف الحال مع إشكالية تحديد عين مكان مرقد أول أمهات المؤمنين السيدة خديجة بنت خويلد رضي الله عنها، لا يختلف الأولون ولا المتأخرون عن صحة مكان مرقد آخر أزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم السيدة ميمونة بنت الحارث الهلالية في شكل قطعي وثابت.

قصة زواج النبي بالسيدة ميمونة ملهمة، تعبق فيها تفاصيل الحب الأنثوي الطاهر للكمال البشري مجسدا في النبي الخاتم صلى الله عليه وآله وسلم. انتهت بقيام السيدة الهلالية ابنة هند بنت عوف أكرم عجوز في الأرض أصهارا، بأن لحقت النبي في منصرفة من عمرة القضاء في السنة السابعة للهجرة لتلقاه في وادي سرف، وتهب نفسها بقولها "البعير وما عليه لله ورسوله" فأنزل الله تبارك وتعالى:}وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ{ (الأحزاب: 50) والقصة معروفة.


مرقد السيدة ميمونة على طريق الهجرة بوادي سرف بين مكة المدينة .
د. سمير برقة

يقول د. سمير برقة: "يقع مرقد أم المؤمنين ميمونة رضي الله عنها على يسار طريق الهجرة الجديد الذاهب إلى المدينة من مكة، واضحا على جانب الطريق القديم تحت الجبل، وقبل مدينة الجموم. وهو على بعد 16 كم إلى الشمال الغربي من المسجد الحرام. وكانت المنطقة تعرف تاريخيا باسم وادي سرف، وعلى مرمى حجر من مسجد الفتح الشهير الذي أناخ حوله النبي صلى الله عليه وآله وسلم عندما قدم بجيشه الميمون لفتح مكة".

أضاف: "يطلق أهل مكة على هذه المنطقة اسم النوارية، لأنهم كانوا يستخرجون منها الحجارة التي تصنع منها مادة (النُورَة). والنوّارية الآن أصبحت من أحياء شمال مكة المكرمة بعد أن خططت ووصلها العمران الحديث.

مؤكدا: "أن مرقد السيدة ميمونة بنت الحارث غير معروف للكثير وهو يتوسط مقبرة صغيرة محاطة بسور مرتفع ومقفلة بباب حديدي يمكن مشاهدة المرقد من بين فجوات قضبانه. والمكان خاليا من أي لوحة تعرف بالمكان وتاريخ صاحبته أم المؤمنين".
تصميم هندسي إسلامي مقترح من مبادرة "معاد" لتحسين سور وبوابة مرقد السيدة ميمونة.
 
وكشف أنه "في الثمانينات من القرن الماضي تعرض موقع المقبرة إلى محاولة إزالة عندما صادف مخطط رصف طريق الهجرة القديم على الموقع، غير أن الملك خالد بن عبدالعزيز رحمهما الله استجاب لرغبات رجالات مكة وأعيانها ووجه بتعديل مسار الطريق ما بين مكة المكرمة والمدينة المنورة حماية لموقع قبر أم المؤمنين السيدة ميمونة بنت الحارث".

وختم د. برقة بالإشارة إلى أن مجموعة "معاد" وهو عضو مؤسس فيها: "تقدمت بمبادرة إلى عدة جهات رسمية لتطوير سور المقبرة في شكل متناسق مع العمارة الإسلامية بما يحفظ قيمة المكان وتاريخه في الوجدان الإسلامي، ضمن سلسلة مبادراتها لتعزيز الهوية المكيّة".

أحد الاحتفالات القديمة حول مرقد السيدة ميمونة بنت الحارث في مكة.
سِتّنا ميمونة

بالعودة إلى كتاب المستشرق الهولندي ك. هورخرونيه، فقد وصف تحت عنوان (مظاهر الحياة في صفر) أنه "بعد بداية شهر صفر يقوم المكيون بالتحضير والاستعداد لمناسبة شعبية مهمة، هي احتفالات الثاني عشر من صفر، الخاصة بالسيدة ميمونة ـ رضي الله عنها ـ إحدى أزواج الرسول الكريم".

وعزا وفرة هذه الأعياد في مكة ـ حينئذ ـ إلى "مناسبات شعبية جاهلية (الصحيح أنها فاطمية) للحفاظ على استمرارها". مؤكدا " إن الذكرى السنوية للسيدة ميمونة ليست مناسبة محزنة، فعلى الرغم من أنها تُعقد على قبر، فإن أبعد شيء يفكر فيه الحضور هو الموت في هذه المناسبة"!.

مشيرا إلى أنهم كانوا يستعدون "قبل موعد الاحتفال بذكرى السيدة ميمونة (ستنا ميمونة) بأسبوع". ويعلق بقوله" إن الغالبية العظمى من الزوار يكتفون بقراءة الفاتحة، ودعاء قصير، ثم يعودون بعد ذلك إلى خيامهم حيث يلهون ويسلون أنفسهم بطرق عدة".

 أضاف: "إن الشباب من أهل مكة يأتون هنا لأغراض مختلفة تماما"، وأنهم بعد تناولهم "طعامهم المفضل كالمبشور (لحوم مشوية) والسّلات (قطع لحم صغيرة تقلى على الصاج) يتجمعون بالقرب من القبر، حيث يسردون القصص والأحاديث ويغنون الأغاني العاطفية، ويصطحب كل ذلك بالموسيقى"!.



إطار 2
مجلة العرب الثقافية
علامة الجزيرة العربية الشيخ حمد الجاسر رحمه الله.
 علامة الجزيرة الراحل حمد الجاسر:

مرقد أم المؤمنين خديجة رؤيا منام ومقابر المعلاة ليست المعروفة اليوم!

في مساء يوم الأربعاء 13 جمادى الآخرة سنة 1402 هـ (1982 م) ألقى علامة الجزيرة العربية الشيخ حمد الجاسر رحمه الله محاضرة مثيرة بعنوان "الآثار الإسلامية في مكة المشرفة" في أروقة جامعة أم القرى. (نشرت لاحقا في مجلة العرب العدد رمضان وشوال 1402 هـ يونيو ـ يوليو 1982م) تناولت أكثر موضوعين حساسية في مكة وهما موقع المولد النبوي في شعب بني هاشم، ومرقد السيدة خديجة بنت خويلد في جنة المعلاة.

ليلتها، كشف الجاسر عن أدلة استقاها بعد بحث معمق خلص منها برأي موثق ينفي دقة مكان مقبرة المعلاة الحالي جملة وتفصيلا، مشدد أن ثنية الحجون تقع في الجبل المتصل بشعب عامر في الجهة المقابلة من الموقع المعروف حتى اليوم.

وأشار الجاسر إلى أن الفيروز آبادي صاحب القاموس المحيط "ألف رسالة دعاها (إثارة الحجون، لزيارة الحجون) ذكر الصحابة المدفونين في تلك المقبرة، ونظم هذه الرسالة علي بن أبي بكر الصايغ، أحد علماء مكة في صفر سنة 1287هـ بأرجوزة أسماها (اللؤلؤ المكنون في ذكر أسماء أهل الحجون) وذكر أن عدد الصحابة المدفونين في مقبرة الحجون ثمانية وثلاثون (38) رجلا وسبع (7) نسوة".

يومها لم يكد الحضور يفيقون من صدمة هذا الطرح، حتى عاجلهم علامة الجزيرة بصدمة أخرى أكبر وقعا وأثرا في قلوب ومسامع الحضور عندما قال: "وفي عصرنا ـ بل قبله بنحو ستة قرون ـ عُرف قبر أم المؤمنين خديجة ـ رضي الله عنها ـ معرفة قائمة على أساس من الجهل، إن صح للجهل أساساً، فشيُّدت قبة عظيمة تحمل ذلك الاسم الطاهر، ثم أقيم بجوار تلك القبة في أول القرن الحادي عشر قُبّتان تحمل إحداها اسم (عبد المطلب) وتعرف الأخرى باسم قبة (أبي طالب) ".

مؤكدا نصّ المتقدمون من مؤرخي مكة على عدم معرفة قبر أحد ممن صاحب النبي صلى الله عليه وسلم سوى قبر ميمونة، لأن الخلف بأثّرة عن السلف، وقال ابن ظهيرة في "الجامع اللطيف": عن مقبرة المعلاة: لما حوته من سادات الصحابة والتابعين، وكبار العلماء والصالحين، وإن لم يعرف قبر أحد من الصحابة تحقيقا الآن".

ونبه الشيخ الجاسر قال: إن "ارتباط هذه الأسماء الثلاثة بحياة المصطفى ـ عليه الصلاة والسلام ـ أضفى عليها هالة من الإجلال، حتى أعتقد كثير من الجهال صحة وجود قبر خديجة وقبر عبد المطلب جدّ النبي صلى الله عليه وسلم ـ وقبر أبي طالب ـ عمه، وهو اعتقاد خاطئ".

 أضاف بقوله: " فقبر أم المؤمنين خديجة ـ رضي الله عنها ـ كان مجهولا لدى مؤرخي مكة حتى القرن الثامن الهجري أي طيلة سبعة قرون بل تزيد، ثم أصبح معروفا محدّد المكان، في القرون الخمسة الماضية حتى يومنا هذا".


شعبة النور ومراقد خديجة وابنها القاسم وعبدالمطلب وأبي طالب، رؤيا منام!.
ويؤكد العلامة الجاسر أن تحديد عين مكان قبر السيدة خديجة بنت خويلد رضي الله عنها جاء عبر رؤيا في المنام. ومضى يقول ".. بعد أن رأى أحد العارفين ـ في المنام ـ كأنّ نورا ينبعث من شُعبة النور، في مقبرة المعلاة، ولما علم أمير مكة في ذلك العهد بخبر تلك الرؤيا أمر ببناء قبة فوق المكان الذي رأى ذلك العارف أن النور ينبعث منه، جازما ذلك الأمير أن ذلك المكان ما هو سوى قبر خديجة ـ رضي الله عنها ـ مشيرا إلى ما سطره المرجاني في كتابه (بهجة النفوس والأسرار) الذي أورد الخبر باختصار وعقب عليه بقوله: "ولا كان ينبغي تعيينه على الأمر المجهول".

أضاف: "ويدور الزمان فيصبح المكان وما حوله مقبرة للعظماء من أهل مكة فيقبر فيه في القرن الحادي عشر في سنة 1010 هـ عبد المطلب بن حسن بن أبي نمي، ثم في سنة 1012 هـ يموت أحد أمراء مكة ـ ممن عرف بالظلم والجبروت ـ وهو أبو طالب بن حسن بن أبي نمي، وتُبنى فوقه قبة تعرف بقبة أبي طالب، بجوار قبة خديجة الخرافية وقبة عبد المطلب".

وخلص إلى القول "ويدور الزمان فيُجهل أمر صاحبي القبة، فتنشأ خرافة قبة عبد المطلب جدّ الرسول (ص) الذي مات في زمن الفترة، وقبة أبي طالب بن عبد المطلب عمّ النبي عليه الصلاة والسلام، الذي مات مشركا بنصّ القرآن الكريم". وزاد: " ثم يُدّون التاريخ تلك الخرافات الثلاث باعتبارها حقائق تاريخية، وتتناقلها الأجيال إلى يومنا هذا".

أقوال الشيخ حمد الجاسر رحمه الله أثارت لغط حاد، وجدل كبير حينها أمتد إلى صفحات الجرائد المحلية، كان من بين أبرز من تصدوا لأطروحات المحاضرة، كلا من الشيخ محمد حسين زيدان، ووزير الإعلام حينئذ د. محمد عبده يماني رحمهما الله.. وتلك قصة أخرى!.
عدد الأحد 4 ذي الحجة 1435 هـ

صفحة الموضوع في صحيفة مكة المكرمة
مراسل صحيفة مكة أمام بوابة مرقد السيدة ميمونة.